زفة الانتخابات العراقية

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

 

انتهت الزفة التي نصبها البعض للانتخابات العراقية، او اوشكت على الانتهاء، لتذهب العروس بعد ذلك للعريس، ويصبح الجري للمتاعيس، فلم تبق سوى لحظات على نهاية الفيلم الهندي، الذي هو من انتاج امريكي خالص، ويتم تشكيل الحكومة، ونعرف من هو رئيس الدولة، ومن هو رئيس الوزراء، والاهم من هذا كله، نعرف من هو وزير الاعلام، الذي قد يكافئ الذين نصبوا الزفة، واقاموا فرح العمدة، بمناسبة اجراء الانتخابات، وبالطبع سيكون سرهم في بئر، وبالقطع فسوف يمنحون الاجر، فلا تعرف شمال المانح ما انفقت اليمين!


وكما فتحت الاراضي العراقيه للاسرائيليين، وللشركات الاسرائيلية، وكما فتحت صناديق الانتخاب لليهود ومن يحملون جنسية الدولة العبرية، ستفتح خزائن العراق لمن وقفوا مع الامريكان في زنقتهم، وشاركوا، ولو بدور الكومبارس، في فيلمهم، حتى يتم تشكيل حكومة تعطي الشرعية لبقاء الاستعمار. وكما كان صدام حسين هو المجرم الوحيد لانه انفق اموال الشعب العراقي على الصحفيين، والمؤيدين، وكما كان الصحفيون المناصرون للقضية العراقية هم وحدهم المأجورون، فسوف يبقى الحال على ما هو عليه، اما المناصرون للمستعمر وحكومته، فهم منزهون عن الهوى والغواية، ألم تر كيف ان القوم تعاملوا كما لو كان نظام صدام وحده هو الذي يرشي الكتاب، مع ان كثيرا من الانظمة تفعل هذا، بما في ذلك النظام الامريكي، الذي اعلن منذ بداية الحرب على العراق عن رشوة "حددها" للصحافة والصحفيين، فلم يتم التعامل معها على انها رشوة، في حين كان التعامل مع صدام على انه الراشي الوحيد في العالم!


ليس على رأسي بطحة اتحسسها في هذا الموضوع، فما يعنيني هو الزفة التي قام البعض بنصبها ابتهاجا بالانتخابات العراقية، وبرؤية الصناديق الزجاجية، واللجان الانتخابية، وهي زفة اختزلت الديمقراطية في الشكل، ولا عجب في ذلك فمن شابه سيده فما ظلم، والامريكان هم اول من يهتمون بالشكل على حساب المضمون، وهم يتبنون الديمقراطية الشكلية في المنطقة، والامر ليس قاصرا على هذه الادارة، وانما هي سياسة اخذت بها الادارات المتعاقبة، دعك من موشح الاصلاح، وخطب حالة الاتحاد، التي يتحدث فيها بوش عن ضرورة اجراء اصلاحات جوهرية في العالم العربي، فلو كان جادا فيما يقول، لما شهدنا قمعا منقطع النظير، من قبل انظمة يكفي ان ينظر لها الرئيس الامريكي بالعين الحمراء، حتى تصبح اثرا بعد عين، وتصبح كأن لم تكن من قبل!


بوش، وباقي شلة الانس في البيت الابيض، عندما يتحدثون عن الاصلاح، فان رجالهم في المنطقة يعلمون ان الديمقراطية ليست هي الموضوع، ولذا فانهم يواصلون مهمتهم في القمع والاستبداد والتنكيل، في سياسة يحسبها الجاهل شجاعة منقطعة النظير من انظمة لا تستند الى شرعية الجماهير، وانما تستمد شرعيتها من الرضا الامريكي السامي.. لا اقصد نظاما بعينه، ولا أستثني أحدا!


الموضوع هو اسرائيل، وليس الاصلاح السياسي، واسرائيل اصبحت على الرأس والعين، وكلما تحدث بوش عن الاصلاح والديمقراطية، كان الرد عليه بالسعي الى التقرب زلفي من اسرائيل، حتى كادوا يدخلونها في جامعة الدول العربية.. حتى نقول: كملت!


ونظرة الي المشهد العراقي سوف نقف على القضية بكل ابعادها، فقد كان الحديث عن اسلحة الدمار الشامل، ثم تبين انها واحدة من قضايا الخيال العلمي، وكان الذين يرفعونها مبررا لاحتلال العراق، وازاحة نظام الرئيس صدام حسين، هم اول من يعلمون انها مجرد اكاذيب من تأليف وتلفيق اجهزة الاستخبارات، وبعلم الادارة الامريكية نفسها. ثم كانت الذريعة الاخرى هي انتهاك النظام العراقي لحقوق الانسان، وان بوش قلبه رقيق ، ولذا فقد عز عليه ان يشاهد المواطن هناك يعاني ويعذب، لكن ما جرى للعراقيين في سجن ابو غريب، وغيره، في ظل حماة حقوق الانسان في العالم، اكبر دليل على ان القوم هم مثل انظمة القمع العربي في البشاعة وموت القلب، استمع إلى من تسبب حظه العاثر في دخول سجوننا العربية الشامخة، ومن المحيط الى الخليج، وسوف تكتشف ان احمد هو بلحمه وشحمه الحاج احمد!


قولوا في صدام حسين ما تشاؤون، لكن الرجل كان يقف في وجه مشروع الهيمنة الامريكية، ومن ضمن هذا المشروع ان تكون اسرائيل هي قبلة المنطقة، وهذا ما يبرر انه بمجرد سقوط النظام في بغداد، دخلت الشركات الاسرائيليه لتسرح وتمرح وتدنس بلاد الرافدين، ثم كانت الانتخابات المظهرية، التي اكدت اننا نعيش في الزمن الاسرائيلي، فقد اعطي الحق لكل من عاش على ارض العراق في ان يشارك في العملية الانتخابية، وليس هو وحسب، ولكن اي انسان من نسله، حتى وان كان لا يعرف اين تقع العراق على الخريطة، ولهذا فقد شارك الاسرائيليون في الانتخابات، وادلوا بأصواتهم، واختاروا الحكومة الجديدة، لمجرد ان أجدادهم الاولين من العراق وقد نزحوا منه ليساهموا في بناء دولة اسرائيل!


ولم يلفت هذا نظر الذين نصبوا الزفة، واقاموا الافراح والليالي الملاح، بهذه المناسبة الطيبة، مناسبة اجراء الانتخابات في العراق، والتدشين لارادة الجماهير هناك، في ظل الحماية الامريكية، ولعله استلفت نظرهم، لكن لانهم " واقعون صبابة" في الحب الامريكي، والهوى – كما ورد في الاثر – غلاب، فلم يروا فيما جرى مشكلة تستدعي التوقف، او تستلزم الاستنكار!


راجع اسماء من طربوا للانتخابات في العراق، ورقصوا عشرة بلدي على شرفها، وسوف تكتشف انهم هم الذين باركوا الغزو الامريكي، وايدوا كل اجراءات الامريكان هناك، واستنكروا على المقاومة شرفها، وعلى المقاومين رجولتهم، في زمن اصبح فيه العهر وجهة نظر، وامست الكرامة والاستقلال والسيادة من مخلفات عصور ما قبل الاستنارة الفكرية، والتمدد الحضاري!


فهؤلاء لا تقبل شهادتهم ولو في حزمة من بقل، فهم متيمون بالولايات المتحدة الامريكية، ولكل سكنات وحركات سادة البيت الابيض، ولهذا فلم نجد احدا منهم قد اندهش لما حدث في سجن ابو غريب، او استنكره من باب ذر الرماد في العيون، مع انهم يقدمون انفسهم على انهم من انصار حقون الانسان، وان الدافع لتأييدهم للاحتلال الامريكي هو ما يتعرض له المواطن العراقي من قمع وتنكيل، كما انهم تعاملوا كما لو كان الباعث على انبهارهم بالانتخابات التي اجريت في العراق، هو حبهم للديمقراطية، ولارادة الشعوب!


الحكومة التي ستنتجها الانتخابات، هي الامتداد الطبيعي لمجلس الحكم الانتقالي، وللحكومة العراقية المؤقتة برئاسة المهيب اياد علاوي، وهي لا تعبر عن الشعب العراقي الا في اطار ديمقراطية الشكل التي تعتمدها الادارة الامريكية، والتي تحرض رجالها في المنطقة على الاخذ بها. فالانتخابات اجريت في ظل الاحتلال مما يفقدها المشروعية، وتأتي في ظل مقاطعة الاغلبية من الشعب العراقي في الداخل والخارج، وحتى الاستعاضة بالناخبين الاسرائيليين، وبالاداء السينمائي، وبشركات الدعاية المتخصصة، لم يغير من شأن هذه المقاطعة!


والاهم فانها اجريت بعد حرق سجلات السجل المدني، وفي ظل قانون انتخابات لم يضعه الشعب العراقي، ولم تضعه اية منظمة دولية، ولكن وضعه اثنان من اليهود، وقبل هذا وبعده فقد تم تغييب الامم المتحدة من المشهد الانتخابي، ولم توجد رقابة دولية على الانتخابات لضمان نزاهتها، وتعبيرها عن الشعب العراقي، وليس بتدخل ادارة الاحتلال لتغير وتبدل وتزور في ارادة الناخبين، مع ان الادارة الامريكية تدعو الي الرقابة الدولية على الانتخابات التي تجري في المنطقة ضمانا للنزاهة، وصونا لارادة الناخب، وتحقيقا لمبدأ الشفافية، ومنعا للقيل والقال!


الديمقراطية ليست دعاية، وصورا للمرشحين بالحجم الطبيعي، وبوسترات ملونة، وصناديق زجاجية، وكاميرات تليفزيونية تركز على المعوقين والعجائز الذين اصروا على الذهاب الى لجان الاقتراع، من اجل ان يقولوا رأيهم رغم الصعاب، فهذا امر ابدعت فيه الحكومات العربية، دون ان يعني شيئا، ومن تكراره اصبح يشبه الاسطوانة المشروخة التي تبعث على الملل، لكن من الواضح ان من قام على امر الانتخابات العراقية بتكليف من الادارة الامريكية، لم يطلع على اعلامنا، ولم يشاهد شاشاتنا الصغيرة، وهي تبالغ في نقل مثل هذه اللقطات، دون ان يدفع هذا التهريج الى اقناع المواطن بأن ما جرى كان تعبيرا عن النزاهة، وانما كان الالحاح في العرض اكبر دليل على ان ارادة الجماهير قد لعبت بها الحكومة كرة شراب، كتلك التي كان يلعب بها الاطفال في الحواري!


لقد اهتم الاحتلال بالشكل الديمقراطي، ولم ينشغل بجوهر العملية الانتخابية، لان الامريكان يعلمون ان الانتخابات النزيهة لا يجريها المحتل، وان الانتخابات الحقيقية ستنتج حكومة ترى من العار بقاء الاستعمار لحظة واحدة. ومن هنا فان الرؤية تكون قد اتضحت وثبت ان الراعي الامريكي للحريات في المنطقة يريد للعراق ديمقراطية الشكل المبهر، تماما كما يرعى مثيلتها في بعض الاقطار العربية التي تقوم عليها انظمة تابعة وحليفة، حتى فوجئنا بهم يعتبرون انتخابات بلدية اجريت في قطر من الاقطار واستبعدت فيها النساء، وكانت علي نصف المقاعد، لان النصف الاخر بالتعيين من قبل السلطة، كأنها فتح مبين، فقد اشادوا بها واعتبروها خطوة متقدمة في الاتجاه الصحيح، مع انها تنتمي الى التهريج السياسي اكثر من انتمائها للاسلوب الديمقراطي، ولو في حده الادنى!
لا تغرنك الزفة التي نصبها المتأمركون العرب، فهؤلاء على استعداد للاشادة بصدام حسين ان تولى الحكم، شريطة ان يكون توليه بنفس امريكية راضية، وليس بضغط من المقاومة، فهؤلاء مغرمون صبابة، والحب ليس عليه سلطان!
azzoz66@hotmail.com

التعليق