المقاومة العراقية بين البعد الوطني والتلبس بـ"الأصولية"

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


    تحوّل أبو مصعب الزرقاوي إلى نجم، وبات هو " القائد العام " للمقاومة العراقية. هذه الصورة تنطبع في الذهن خلال متابعة النشرات الإخبارية في الفضائيات العربية، وملاحقة ما يُكتب في الصحف، أو حين ملاحقة تصريحات الرئيس بوش أيضاً. رغم أن قدرات الرجل لا تؤهّله القيام بالكثير من العمليات العسكرية التي توجّه إلى القوّات الأميركية، والتي تشير إلى وجود عقل عسكريّ محترف، هو فعل ضباط الجيش العراقي الذي حلّته قوّة الاحتلال الأميركي.
      رغم ذلك تزرع الومضات التي يبثّها الإعلام، صورة تبدو حقيقة في الذهن العادي. ليقال إن المقاومة هي سنّية فقط، وخارجية في الغالب. فمن يعرف أن الضباط والجنود السابقين الذين يقاومون الآن، هم سنّة أو شيعة أو مسيحيون؟ ومن يعرف هل هم مع "أبو مصعب الزرقاوي" أو حتى مع البعث؟ ومن يستطيع التأكيد أن الحركات الأصولية قادرة على هذا المستوى من العمل العسكري المحترف؟


      إن تركيز الإعلام على الحركة الأصولية، وتعمُّد بوش الإشارة إلى الزرقاوي الذي بات أبرز من بن لادن معلمه، له هدف بسيط هو القول إن المقاومة العراقية هي " إرهاب أصوليّ "، خصوصاً أن عمليات كثيرة بالسيارات المفخّخة أو الانتحارية أبرزت صورة بشعة لأنها قتلت المواطنين وخلقت الفوضى، أو أشارت إلى عنف طائفيّ، يجري التأكيد المستمر على لصقها بالمقاومة ككل، وليس بفصيل فيها، ما دام هذا الفصيل بات هو " القائد العام " للمقاومة. وخصوصاً كذلك أن البيانات المنسوبة إلى الزرقاوي تحرّض على الشيعة و تسترجع الصراع القديم الذي بدأته فتاوى ابن تيمية.


       البعض يتملّق التنظيمات الأصولية، لكن لهذا الميل أخطارا حقيقية. حيث إن للسياسة الأميركية الهادفة إلى تصوير المقاومة على أنها حركات أصولية إرهابية، أهدافا جوهرية، حيث يمكن حشد القوى ضدها عبر استثارة الخوف من " انتصار الأصولية " وبالتالي فرض العودة إلى القرون الوسطى. وأيضاً يمكن حشد القوى عبر التركيز على الطابع السنّي للمقاومة، وبالتالي السعي لتأسيس شقاق سنّي شيعي. وعلى ضوء ذلك يتصاعد الخوف العام من الحرب الطائفية، وهو الخوف الذي يقود إلى طرح السؤال: ماذا لو انسحبت القوّات الأميركية؟ ليبدو وجودها ضرورياً، رغم أن هذه القوّات لم تأتِ لكي تنسحب. لكن تصوير الصراع في الصيغة التي يُغرز فيها في العقول يجعل التركيز على ضرورة طرد قوّات الاحتلال نافلاً، خوفاً من " الحرب الطائفية " وتقسيم العراق.


       إن تضخيم قوّة الحركة الأصولية يهدف إلى خلق منعكسات في اللاوعي، لكنها تتبلور في الوعي كذلك، تشلّ من الدعم الشعبي للمقاومة وتشوّش عليها، وتقود إلى الدعوة الشعبية إلى الأمن والأمان والهدوء وإعادة الحياة الطبيعية. وهذه ميول طبيعية حينما تنتشر الفوضى ويتشوّش الهدف، ويصبح القتل هو الغالب، وأقصد قتل العراقيين مع تهميش المواجهة مع قوّات الاحتلال.


        ما هي قوّة الحركة الأصولية؟ أعتقد أنها في الهامش، وأن طبيعة الصراع تفرض دور القوى المتمرِّسة في القتال. لكن يبدو دور هذه الحركة " تشويشياً " ومضعفاً للمقاومة من الزاوية المعنوية، نتيجة حماقات تودي بالعراقيين، وتنشر الفوضى، وتشجّع ممارسات أصولية ضد المدنيين( التي تسمى عادة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ). مما يحوّلها إلى سلطة مستبدة ومغرقة في رجعيتها. ويشجّع الاحتلال على العبث والتخريب باسم المقاومة. لتظهر في صورة مرعبة من الوحشية والرجعية والاستبداد. فمن يؤيدها بعد ذلك؟
الدولة الأميركية تختار عادة صيغة الحرب، وحتى الخصم. ولقد سعت منذ نهاية الحرب الباردة إلى تحويل " حلفائها " إلى خصم في إطار " الحرب ضد الإرهاب ". وهي تحاول ذلك في العراق ليصبح الكلّ أصولياً ما دام يقاتل الاحتلال الأميركي. لكن ذلك هو ما تريده هي لكي تخوض حرباً سهلة ومفيدة، وتوصل إلى ما تريد: القتل والحرب الطائفية والتفكيك و التقسيم كذلك.


        لهذا ستكون أسوأ الحروب تلك التي تخاض باسم الدين والأصولية، لأنها توصل إلى التفتيت والقتل والتفكيك والدمار. الحرب ضد الاحتلال هي حرب وطنية بامتياز، وهكذا يجب أن تكون. وبالتالي يجب أن تبلور المقاومة برنامجها السياسي الواضح، وأن تتوضّح قيادتها السياسية، لكي تخوض حرباً واضحة الأهداف، ولكي تعمل على ضبط الانفلات الأمني و فوضى الخطف والسلب والتقتيل، " فوضى المقاومة ". لتصبح هي المرجعية، حيث لا زالت تعاني من المرجعية العسكرية وأيضاً السياسية.

التعليق