بين انتخابات الأمس واليوم ... التاريخ لا يعيد نفسه في العراق!

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

     قبيل الانتخابات العراقية تناقلت الصحف العربية تقريرا تضمن أقوالا للدكتور محمد كامل الأمين العام المساعد لاتحاد المؤرخين العرب عنوانه "التاريخ يعيد نفسه مع تبادل الأدوار بين السنة والشيعة". يقول كامل إنه في كانون الثاني العام 1924 أثناء "الانتداب البريطاني انتخب العراقيون أعضاء المجلس التأسيسي الذي وضع أول دستور لدولة العراق التي أنشئت عام 1921". ويضيف قائلا إن انتخابات ذلك العام "كانت أول انتخابات في دولة العراق خلال العهد الملكي وكانت تعددية شاركت فيها ثلاثة أحزاب وهي الحزب الحر العراقي برئاسة نجل عبد الرحمين النقيب أول رئيسا للحكومة في الدولة العراقية، وحزب النهضة العراقية والحزب الوطني العراقي". ويقارن محمد كامل انتخابات 1924 بالحالية ويقول: "كانت المقاطعة لرجال الدين الشيعة واليوم لرجال الدين السنة ...".


     وحول الانتخابات الأخيرة أورد التقرير أن "السنة يتخوفون من تهميش دورهم رغم أنهم يعزون مقاطعة الانتخابات إلى إجرائها في ظل الاحتلال" وأن "الشيعة قد استخلصوا مرارة دروس تجربة المقعد الفراغ التي خاضوها في العشرينات ...".

هذا الخطاب ليس مفاجئا فقد أصبح أحد المكونات الأساسية للإعلام الغربي حول المنطقة وبشكل خاص العراق. وفيه يختزل المجتمع العراقي إلى طوائف ومجموعات إثنية، وقد تبنى الإعلام العربي هذا المنظور المشبوه كما هو بدون نقد. وما يحصل هو شكل من أشكال الانحطاط الفكري الذي تعيشه الأمة العربية هذه الأيام ولا يخدم في النهاية إلا مصالح الاستعمار الجديد في المنطقة.   


     اللافت للنظر في تصريحات كامل أنها تتناول فترة من تاريخ العراق الحديث أرسيت فيها مبادئ استعمار العراق التي من بينها ظاهرة التفرقة الطائفية نفسها. والمقابلة الحقيقية والأساسية بين الأمس واليوم ليست في جماعات أو تكتلات ذات هوية دينية أو طائفية وإنما بين احتلالين، الأميركي والبريطاني، ومن هنا تتفرع نقاط المقارنة الأخرى.


     لعل أهم هذه المقارنات هو وجود السلطة الفعلية في أيدي المحتل. فقد كان هناك بيرسي كوكس، المندوب السامي البريطاني في العشرينات، ومساعدته غرترود بيل، التي كانت عمليا الحاكمة الفعلية للعراق منذ العام 1920 وحتى وفاتها عام 1926. وهو نفس ما حدث بعد احتلال العراق الأخير عندما تم تعيين بول بريمر في منصب الحاكم المدني الأميركي، ومن بعده السفير جون نيغروبونتي الذي يترأس حاليا في بغداد أكبر سفارة أميركية في العالم.


   غداة ثورة العشرين وضعت بيل، التي أطلق العراقيون عليها لقب الخاتون، تقريرا سياسيا عنوانه "مراجعة للإدارة المدنية لوادي الرافدين" تعرض فيه الدور البريطاني في الخليج العربي وشرق الجزيرة العربية وتقيم السياسة البريطانية في العراق منذ وصول القوات البريطانية إلى البلاد عام 1916 حتى تعيين كوكس كمندوب سامٍ في العام 1920. استفادت بيل في دراستها من "دليل الخليج" لجون غوردون لوريمر، المقيم البريطاني في بغداد في بداية القرن العشرين، وهو عمل موسوعي جمع فيه مؤلفه معلومات مفصلة حول جغرافية العراق والخليج، وبالأخص الأوضاع السكانية فيها، وقدم عرضا مفصلا لتاريخ المنطقة الحديث. كتاب لوريمر ساهم بشكل مباشر في التحضير للاستعمار البريطاني للعراق والخليج والعربي.
  
     اعتمدت الحكومة البريطانية بشكل كبير على تقرير بيل في صياغة سياساتها في العراق، وخاصة في وزارة المستعمرات التي كان يترأسها في تلك الفترة وينسون تشرشل. وقد انتقدت بيل في تقريرها أداء الحكومة العثمانية في العراق لأنها لم تقم بدعم وجودها وإدارتها في البلاد بقوات عسكرية! لهذا نصحت حكومتها أن تحافظ على وجودها العسكري في العراق حتى لو كانت هناك حكومة ذات سيادة شكلية! وهذا كله يذكر بموقف الإدارة الأميركية من وجود القوات الأميركية في العراق حتى بعد تشكيل حكومة عراقية يفترض أنها تتمتع بالاستقلال.
 
      في العام 1921 عملت الخاتون مع جون فيلبي على إنشاء "مجلس مؤقت" وتشكيل حكومة عراقية يدعمها مستشارون بريطانيون! وبالفعل اجتمع في بداية العام "مجلس الدولة" الذي يضم عبد الرحمن النقيب، رئيس المجلس ورئيس الحكومة الانتقالية (!) آنذاك والوزراء طالب النقيب، الداخلية، واليهودي ساسون حسقيل، المالية، ومصطفي الألوسي، العدل، وعزت باشا، التعليم. وكان يقابل هؤلاء من المستشارين جون فيلبي، الداخلية، إدغار بونهام، العدل، الجنرال أكتينسون، التجارة، الكولونيل سلاتر، المالية. وجلس الجميع ليبحثوا خططا لتنظيم انتخابات! وفي الحقيقة فإن المجلس المذكور يقابل من حيث المصطلح والمضمون "مجلس الحكم المحلي" الذي كان قائما في غضون فترة حكم بريمر! أما المستشارون فهم لا يختلفون أبدا عن هؤلاء الذين عينوا بعد الاحتلال الأميركي في "الوزارات" العراقية من أمثال فيلدمان وكيرك وروبين! 


        في إحدى رسائلها تهاجم بيل الصحافة البريطانية التي كانت توجه انتقادات للحكومة بسبب تصاعد أعباء الضرائب البريطانية التي وصلت إلى عشرين مليون جنيه سنويا في فترة حرجة اقتصاديا. وهذا يذكر بالانتقادات العنيفة التي تتعرض لها الإدارة الأميركية اليوم بسبب التكاليف العالية وغير المسبوقة لحربها على أفغانستان والعراق.


       في بغداد كانت الخاتون تدعو إلى مكتبها وجوه المجتمع العراقي لإجراء محادثات غير رسمية وكانت توجز مضمون هذه المحادثات في تقارير استخباراتية ترسلها أسبوعيا إلى لندن لتطلع حكومتها على مستجدات الأحداث. أحد هذه التقارير يغطي الأوضاع في نهاية العام 1921 ويحمل عنوان "قانون الانتخابات" وفيه توضح الخاتون أن هذا القانون عدل ليشمل ممثلي العشائر! وتقول في هذا الشأن: "كانت هناك معارضة شديدة لهذا الاقتراح من الطبقات المحافظة وأصحاب الثروات بسبب رفضهم مشاركة ممثلي العشائر". وبصرف النظر عن عدم صحة هذا التقييم فإن ما كان يقال حول تركيبة المجلس لا يختلف أبدا عما يتردد اليوم حول المجالس أو الجمعيات الوطنية منذ احتلال العراق قبل الانتخابات أو بعدها بغرض وضع دستور للبلاد. فقد اتخذ آنذاك قرار تأليف المجلس بالاعتماد على معايير دينية وطائفية وإثنية بشكل مطابق لما يحصل اليوم. 
 
       كان باستطاعة الخاتون تعيين، أو إقالة، من تشاء، ومن بين هؤلاء الذين أقصتهم عن الحكم طالب النقيب، وزير الداخلية، الذي كان يطمح بالوصول إلى عرش العراق وقد حظي بدعم بعض الإداريين البريطانيين ومن بينهم المندوب السامي نفسه. لكن كل هذا لم يجد نفعا أمام إرادة الخاتون. وما تكتبه في رسائلها حول السيد طالب يعكس التوجه البريطاني في التعامل مع الشعب العراقي كمجموعات دينية وإثنية وتوضح أيضا موقفها من الشخصيات التي قد تزعزع الهيمنة البريطانية بسبب شعبيتها أو لأسباب أخرى. تكتب الخاتون: "السيد طالب باشا لم يكن متعاونا عندما حاول أن يكسب ولاء الرجال من جميع الاتجاهات السياسية. وكان يقوم بكل ما في وسعه ليفوز بحظوة الشيعة والوطنيين ولكن قلائل يثقون به ولا أحد يصدق نواياه"! وأدى غضب الخاتون عليه إلى تجريده من منصبه ثم نفيه إلى الهند حيث بقي لبضع سنوات، وبعد عودته إلى العراق كانت تسود البلاد ظروف مختلفة لم يكن له فيها أي تأثير وطواه النسيان!


       أشار فلاسفة التاريخ إلى أن التاريخ في الحقيقة لا يعيد نفسه أبدا. هناك لحظات في التاريخ يمكن الاستفادة منها، كما يفعل المحتل الأميركي، الذي ربما ساعده في ذلك شريكه الصغير بريطانيا، ولكن هذه الاستفادة تبقى نظرية الطابع وتصطدم بالواقع المتغير على الدوام. فعراق اليوم هو غير عراق الأمس، وإذا كان الاحتلال يستطيع العودة إلى تقارير الخاتون وتقييم تجربتها في حكم العراق فالعراقيون ما زالوا يسترجعون التاريخ من الذاكرة الحية وليس من الكتب والمراجع المحفوظة على رفوف مكتبات الغرب. وسيتذكر العراقيون الشيخ ضاري المحمود بطل الفلوجة، وغيره من أبطال ثورة العشرين، ويتعلمون من تجارب الماضي ويوظفونها في خدمة مقاومة جديدة وصفها أحد الجنود الأميركيين، في رسالة بعثها مؤخرا من الفلوجة ونشرت على الإنترنت، بأنها حرب عصابات شاملة وأن النصر بأيدي المقاومين العراقيين وليس بأيدي الولايات المتحدة! 

    
    
     

التعليق