بعد أن قطع "مرثون الموازنة" نصف مسافته

تم نشره في الاثنين 21 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    قبل أيام أنهى مجلس النواب مناقشته قانون الموازنة العامة لعام 2005، فيما يستعد مجلس الأعيان لمناقشتها وإقرارها ورفعها للملك للمصادقة عليها بإرادة ملكية، وباعتقادي أن الفترة الوجيزة التي تستغرقها الموازنة للتوشيح بالارادة الملكية السامية هي المرحلة الوحيدة المختصرة والتي يُحتَرم فيها الوقت ولا يعتدى عليه، إذ لا تستغرق هذه المرحلة أكثر من يوم أو يومين فقط تعود بعدها الموازنة للحكومة من أجل العمل بها، بينما تكون قد تلكأت بأروقة مجلسي النواب والأعيان أكثر من شهرين مع أنه لم يحدث عليها أي تغيير ولو بحرف واحد أو دينار واحد عما تقدمت به الحكومة وهي في حالة مشروع قانون.


    وبالرغم من أهمية هذا القانون، الذي يعتبر عصب النشاط العام للدولة، وبالرغم من الوقت الذي يمكثه في مجلسي النواب والأعيان، ليس في هذا العام فحسب بل فيما سبقه من أعوام أيضا، يستنتج المرء أن هذا القانون لا يعامل تشريعيا في مجلس الأمة وتحديدا في مجلس النواب على النحو الذي يتناسب مع أهميته.
    ومع أن طريقة مناقشة أي قانون بعد مروره بدراسة اللجنة النيابية المختصة له، يبدأ مجلس النواب مجتمعا بمناقشته مادة مادة وبالتالي إما رفضه وإعادته للحكومة، وإما إقراره أو تعديله ومن ثم تمريره لمجلس الأعيان وهكذا، لذا فإن الآلية التي يناقش بها قانون الموازنة ينبغي أن تتماثل مع آلية منقاشة أي قانون آخر، فإذا كان من المستهجن أو غير المعقول أن تُستهل مناقشة أي قانون آخر بمهرجان خطابي نيابي مطول يستغرق عدة ايام متواصلة، يُكتفى بعدها بمجرد الاقتراع على مواده مادة مادة دون نقاش، لتكتمل عملية الاقتراع في غضون أقل من ساعتين، فالأولى تجنيب مشروع قانون الموازنة المرور بهذا الاسلوب التشريعي الفج، انسجاما مع أهمية هذا القانون الذي أعطاه الدستور اهمية استثنائية.
 
    فمشروع هذا القانون هو أجدر بمناقشته والاقتراع عليه من قبل أعضاء مجلس النواب فصلا فصلا، انسجاما مع القواعد الدستورية، وبعد الانتهاء من مناقشة كل فصل يتم الاقتراع عليه، ومن ثم الانتقال لمناقشة الفصل الثاني والاقتراع عليه، وهكذا تتم مناقشة كل فصل والاقتراع عليه واحدا تلو الآخر حتى يستكمل مشروع قانون الموازنة ومن ثم الاقتراع على مشروع قانون الموازنة ككل، مثلما هو حال القوانين الأخرى، صحيح أن هذا الأسلوب يتسم بالصعوبة ويستغرق عدة أيام لكنه هو الأصح والأسلم، ويمكن التغلب على مشكلة الوقت بإلغاء الوقت المخصص للمهرجان الخطابي للسادة النواب على هامش هذا القانون وتخصيص هذا الوقت لغايات مناقشة هذا القانون فصلا فصلا، وبالتالي يتيح هذا الاسلوب إحداث ما يلزم على مشروع قانون الموازنة من تغييرات أو تعديلات أو إلغاء ما يسمح به الدستور، كما يمكن التغلب على مشكلة الوقت الذي يحتاجه هذا الاسلوب من خلال اختصار الفترة الزمنية المطولة التي يمكثها مشروع قانون الموازنة بين يدي اللجنة المالية والاقتصادية في المجلس، كما يمكن للسادة النواب أن يعقدوا أثناء الدورات العادية للمجلس جلسات خاصة بالخطابة ومناقشة أية مواضيع سياسية واجتماعية ومطلبية ورقابية مما يخص الوطن والمواطن بعيدا عن تخصيصها على هامش مناقشة قانون الموازنة.


      لكن ما هو معمول به لدى مجلس النواب هو اتباع الاسلوب الأسهل لكنه غير المتعلق بجوهر بيانات وأرقام الموازنة، فبعد استقبال مجلس النواب لمشروع هذا القانون من الحكومة بموجب خطاب وزير المالية، يحال للجنة المالية والاقتصادية في المجلس حيث يمكث لديها أكثر من شهر، تقدمه مع توصياتها بعد ذلك إلى مجلس النواب، الذي يشرع بعد أيام بعقد جلسات خاصة لمناقشتة، عبر خطابات يلقيها السادة أعضاء مجلس النواب استغرقت خمسة أيام متواصلة، لم يتعلق الجزء الأكبر منها بتاتا بصلب موضوع مشروع قانون الموازنة، فقد كانت خطابات أكثرها، إنشائية تضمنت أجزل الصور البلاغية، وبعضها لاذ نحو الشعر والحركات الكوميدية، وبعضها اتصف بالهجوم الناري على سياسات الحكومة العامة حتى ليخال للمرء أن مشروع قانون الموازنة سيفشل بالحصول على ثقة السادة النواب وبالتالي سيرد إلى الحكومة لتعديله، وبعد أن قفز المجلس عن مناقشة فصول الموازنة فصلا فصلا مثلما تناقش مواد أي قانون آخر مادة مادة، فقد دخل المجلس مباشرة نحو الاقتراع على فصول الموزازنة في غضون أقل من ساعتين، وللأمانة أن الاقتراع على فصول النفقات الرأسمالية البالغة قيمتها أكثر من نصف مليار دينار لم يستغرق أكثر من دقيقتين، بعدها حاز مشروع قانون الموازنة على موافقة 82 عضوا من أعضاء مجلس النواب المتواجدين البالغ عددهم 106 أعضاء، ليس هذا فحسب بل إن مشروع قانون الموازنة قد خرج من عهدة مجلس النواب دون إحداث أي تغيير عليه مهما كان طفيفا حتى لو كان بقيمة دينار واحد.


    ما يمكن قوله إن الآلية التي وضعت بها الحكومة موازنة عام 2003 وهي الفترة التي تم تأجيل الانتخابات فيها، لا تختلف مطلقا عن الآلية التي مر بها قانون موازنة عام 2005، فكلاهما وضعتها الحكومة وطبقتها دون أية تغييرات عليها، مع فارق جوهري إيجابي هو أن الحكومة وضعت موازنة عام 2003 موضع التنفيذ منذ بداية العام المالي ولم تتعرض أثناءها (بسبب غياب مجلس النواب) بعكس موزانة عام 2005، التي كانت مدارا لابتزاز الحكومة من قبل النواب كما للغايات الشخصية المتمثلة بالامتيازات المختلفة كالحصول على السيارات النيابية على حساب المال العام، والحصول على الأموال بملايين الدنانير لتوزيعها على الفقراء من قبل النواب وما رافق هذه العملية من شبهات دستورية وبما يتناقض مع مهامه الرقابية والتشريعية، بينما يمكن توزيعها بكفاءة عالية من قبل الجهات الحكومية المختصة، ومع أن هذه الأحدث قد سبق موضوع الموازنة إلا أنها مهدت الطريق أمام الحكومة لوضع مجلس النواب بيسر في خدمة توجهاتها.


    وأخيرا، وطالما أن مشروع قانون الموازنة لعام 2005  قد غادر مجلس النواب إلى مجلس الأعيان بعد خمسين يوما بالصون والرعاية دون إحداث أي تغيير عليه، إذا فما هو مبرر مكوثه كل هذه الفترة المطولة في أروقة مجلس النواب ؟! أليس من الأجدر بمجلس النواب اختصار فترة مكوثه بين يديه وتسريع تمريره إلى مجلس الأعيان دون تأخير احتراما للوقت على أقل تقدير وابتعادا عن ابتزاز الحكومة على هامش تلك الفترة المطولة للحصول على الامتيازات الشخصية وتوفيرا للجهد المبذول باستعراض العضلات الخطابية وإطلاق الفقاعات الصوتية أمام القواعد الانتخابية ؟! 
عمان في 19/2/2005
  
   
 

التعليق