اغتيال الحريري حلقة في مخطط ضرب سوريا

تم نشره في السبت 19 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 

 المثل العربي الشائع : " كاد المريب أن يقول خذوني "، ينطبق تماماً على قتلة الشيخ رفيق الحريري. فمنذ لحظة الإعلان عن وفاته لم يتوقف المسؤولون الأميركيون وعلى رأسهم بوش عن الإدلاء بتصريحات تشير إلى اتهام سوريا بعملية الاغتيال البشعة ، ولم تكفّ أجهزة الإعلام الأميركية – الصهيونية عن تأجيج نار الفتنة في لبنان، والضغط باتجاه اسقاط الحكم فيه وانسحاب القوات السورية منه. وقد سبق ذلك حملات مكثفة ضد النظام السوري فيما يتعلق بعدم تعاونه في وقف دخول المقاتلين من أراضيه إلى العراق، واتهامه بدعم المنظمات الفلسطينية وحزب الله اللبناني المدرجين على لائحة الإرهاب الأميركية، وانتهاكه لحقوق الإنسان، ومعاداته للديموقراطية الأميركية. وسبق عملية الاغتيال تصعيد اميركي ملحوظ يدفع باتجاه اتخاذ قرار جديد في مجلس الأمن الدولي، لمحاسبة سوريا ومعاقبتها لعدم تنفيذها القرار 1559 القاضي بانسحابها من لبنان والتوقف عن رعاية " الإرهاب ".

 لقد أنجز الطرف الأميركي – الصهيوني عملية الاغتيال بنجاح، وتمكنت اجهزته وعملاؤه من تنفيذها وقتل آخرين وتدمير سيارات ومبان وشوارع رغم الأجهزة والتجهيزات الأمنية عالية المستوى التي كانت ترافق موكب الحريري، مما يشير بوضوح إلى المستوى الفني والاستخباراتي الرفيع الذي توفّر للقتلة، والذي من الصعب أن يتوفر لغيرهم.

 أما لماذا اختارت الإدارة الأميركية الحريري ليكون كبش الفداء في عملية استكمال حلقات مخطط ضرب سوريا وتغيير الأوضاع في لبنان لمصلحتها، بعد أن عجزت عن فعل ذلك مباشرة بسبب أوضاعها المهزوزة في العراق، فذلك عائد إلى التحاقه في صفوف المعارضة بعد استقالته من رئاسة الوزراء ، فكان مؤهّلاً أكثر من غيره للعب دور عقلاني في الصراع بين الحكم وأطراف هذه المعارضة المختلطة التي تضم في صفوفها معارضين وطنيين وعملاء حقيقيين للولايات المتحدة والغرب. مما يسهّل إلصاق تهمة اغتياله بسوريا من جهة ، ويمنع امكانية رأب الصدع اللبناني الداخلي، ما دام المطلوب هو صبّ الزيت على نار الخلافات اللبنانية – اللبنانية ، واللبنانية – السورية ، وزعزعة استقرار لبنان وأمنه الذي تحقق بعد اتفاق الطائف، ولعبت سوريا كما الحريري دوراً مهما في تثبيته واستمراره ، خلافاً للمطامح الصهيونية .

 إن جريمة اغتيال الشيخ الحريري، لا يمكن الا أن تكون موجّهة بالأساس إلى النظام في سوريا، الذي يسعى منذ الغزو الأميركي للعراق، وبكل ما أوتي من حنكة ومهارة في التكتيك ، إلى امتصاص الضغوط الأميركية الهائلة عليه، والرامية إلى إخضاعه أو تغييره . ومن غير المنطقي أن يلجأ النظام الى مثل هذا الأسلوب لحلّ إشكالات الوضع في لبنان، وهو يعلم أكثر من غيره النتائج والتداعيات التي تترتب عليه، وبخاصة تجاه الوضع في سوريا .

 وستكشف الأيام والأسابيع القادمة، وبخاصة قبيل الانتخابات التشريعية اللبنانية المقررة في شهر أيار القادم، عن تطورات خطيرة في بلاد الشام ، وبخاصة مع تعمّق مأزق الولايات المتحدة وأتباعها في العراق، وعدم وجود أي حلّ لهذا المأزق في المدى القريب، حيث من المتوقع أن تتصاعد شراسة الهجمة ضد سوريا، من خلال تفاعلات الساحة اللبنانية من جهة، ومن خلال الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على الأمم المتحدة من جهة ثانية، بما ينسجم مع المخطط الذي تنفذه الولايات المتحدة على امتداد الوطن العربي، بدعوى الإصلاح وتحقيق الحرية والديموقراطية لشعوبه .

 إن تفويت الفرصة على الطرف الأميركي- الصهيوني وأتباعه وعملائه، يتطلـب المحافظة على وحدة لبنان الوطنية، واستيعاب المتغيرات التي تحدث على أرضه، وعدم السماح بتبديد حالة الاستقرار والأمن فيه، ورفض الانجرار وراء الداعين الى إثارة الفتنة المدمرة ، والسعي لإيجاد تفاهم لبناني – سوري يقطع الطريق أمام أي تدخّل خارجي مهما كان نوعه. فالهجمة الأميركية – الصهيونية ضد سوريا ولبنان وباقي أقطار الوطن العربي تهدف إلى استكمال مخطط تفكيك هذا الوطن عن طريق تدويل قضاياه والتدخل في شؤونه، وإقامة ما يسمى بـ " منطقة الشرق الأوسط الكبير " ، وهو ما يجب مقاومته بجميع الوسائل .
* صيدلاني وكاتب 
 
 
 

التعليق