أسير فلسطيني "زايد ناقص" و"كيلومتر أو اثنان" من فلسطين!

تم نشره في الاثنين 14 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

      مؤخرا وفي يوم انعقاد قمة شرم الشيخ نشرت صحيفة لوس أنجليس تايمز مقالا للروائي الإسرائيلي دافيد غروسمان تحت عنوان "القوة الكامنة في الاعتذار".

 وفيه يوضح غروسمان مفهومه حول الاعتذار ويستهل المقال بالقول: "ما الذي يمكن أن يحدث لو بدأ رئيس وزراء إسرائيل خطابه في شرم الشيخ بالإقرار بمعاناة الفلسطينيين؟ ماذا لو أعلن أن إسرائيل تتقبل جزءا من المسؤولية عن هذه المعاناة؟ وما التأثير الذي يمكن أن تحدثه على الفلسطينيين مثل هذه الكلمات البسيطة والمباشرة؟". بداية مشجعة تبعث على التفاؤل لو لم ينتقل غروسمان إلى الحديث بشكل مماثل عن محمود عباس، ويكتب: "كيف يمكن أن يشعر الإسرائيليون فيما لو بدأ رئيس السلطة الفلسطينية خطابه بالتعبير عن أسفه للمعاناة التي تحملها الشعب الإسرائيلي خلال سنين من الصراع. وماذا لو أقر، ببساطة وبشكل مباشر، أن الفلسطينيين مسؤولون جزئيا عن هذه المعاناة؟"! ليس هذا كل شيء، إذ كيف يبدو مستقبل القضية الفلسطينية في نظر مثقف إسرائيلي ليبرالي يمثل شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي وبالأخص ما يسمى بالعلمانيين؟ وماذا تريد إحدى أهم الصحف الأميركية من نشر مقال يساوي فيه كاتبه بكل صفاقة بين الضحية والجلاد؟   


      يعود غروسمان في مقاله إلى ما حصل في كامب ديفيد قبل اندلاع الانتفاضة عام 2000 فيقول أن الفلسطينيين "أبرزوا "بطاقة سعر" لكل فصل من فصول مأساتهم القومية. واكتشف المفاوضون الإسرائيليون أن الفلسطينيين قاموا بحساب التعويضات عن كل بيت وضاحية مقدسية هرب منها الفلسطينيون العام 1948. وكذلك الأمر بالنسبة لكل قرية طرد منها الفلسطينيون ولكل شخص قتلته إسرائيل خلال الصراع". كلام جميل قد يؤثر على بعض قراء الصحيفة الأميركية ولكن ليس على المقدسيين، أو مواطني تلك القرى التي لا يحدد غروسمان عددها. إسرائيلي آخر هو المؤرخ  بيني موريس يحدد العدد بالمئات وقد أدرجها في قائمة تصدرت كتابه الذي يحتوي تفاصيل مروعة حول عمليات طرد وقتل سكان تلك القرى والمدن. ويضلل غروسمان القارئ الأميركي عندما يتجاهل تماما أن تلك القرى دمرت أو محيت من الوجود بشكل منظم، وأن هؤلاء الذين "هربوا" من "القدس" لم يتمكنوا من العودة إليها أبدا. ولا يتضح فيما إذا كان غروسمان يقصد بـ "ضواحي" القدس أحياء عربية كالقطمون والبقعة، ويقعان في القدس الغربية، التي احتلتها إسرائيل عام 1948، أو قرى القدس التي طرد منها الفلسطينيون قسرا وعددها ثمانية وثلاثون قرية دمر معظمها. 


يقول غروسمان أن إسرائيل تستطيع أيضا إبراز "فاتورة" لكل شيء ارتكبه الفلسطينيون ضد الإسرائيليين منذ بداية الصراع حتى اليوم. وستضع إسرائيل "بطاقات سعر" على كل هجوم فلسطيني قام به الفلسطينيون منذ بداية القرن العشرين حتى قصف "بلدات" إسرائيلية جنوبية بصواريخ أطلقت من قطاع غزة قبل بضعة أسابيع. غير أن إسرائيليا آخر هو إسحق إبشتاين قال في محاضرة ألقاها في العام 1905 أن "الاستيطان اليهودي يعني طرد العرب". ويصف كيف طرد سكان قرية فلسطينية هي الجاعونة: "ما زال يرن في مسمعي عويل تلك المرأة العربية يوم غادرت العائلات القرية للإقامة في الجولان. امتلأ الوادي بالنحيب وتوقف السكان بين الفينة والأخرى يقبلون الأرض والصخور". الجاعونة كانت قرية في الجليل الأعلى وعلى أراضيها أنشئت عام 1882 مستعمرة روشبينا، إحدى المستعمرات اليهودية الأولى في فلسطين.


       غروسمان، الذي درس الفلسفة في الجامعة العبرية، يناقش مفهوم الضحية فيقول: "ما هو صعب حقا لكل طرف أن يتخلى عن إدراكه لنفسه أنه هو الضحية الوحيدة والحقيقية في هذا الصراع. إن رؤية كل جانب لنفسه بأنه الضحية يمنحه القوة والحس بعدالة قضيته والتلاحم الداخلي. هذا ما يربط الإسرائيليين والفلسطينيين بهويتهم التاريخية. وكل طرف لا يرى في تاريخه إلا الضحية التي قدر له أن يكونها". وإذا وافقنا مع السيد غروسمان بأن كلا الطرفين ضحايا فمن هو الجلاد؟ أهو ذاك الذي طرد من أرضه أم من قدم من آخر الدنيا ليستولي على تلك الأرض؟ وأين هو الجلاد؟


في ختام مقاله يقول الروائي الإسرائيلي: "دعونا لا ننسى أن هناك جرحا كبيرا وراء المساومة على إطلاق سراح أسير زائد أو ناقص والمطالبة بإعادة كيلومتر أو كيلومترين .. جرح الإهانة الفلسطينية وجرح الإهانة الإسرائيلية"! ونضيف إلى الإهانتين إهانة يوجهها غروسمان إلى الفكر والمنطق. فـ "المساومة" على "أسير زائد أو ناقص" وعلى إعادة "كيلومتر أو كيلومترين" هي ما يقوم به الجانب الفلسطيني لا الإسرائيلي. فلا يوجد لدى الفلسطينيين أسرى إسرائيليون، لكن هناك في السجون الإسرائيلية حوالي عشرة آلاف أسير فلسطيني العديد منهم مضى عليه ما يزيد على ربع قرن! والفلسطينيون هم من يطالب بأرضهم المسلوبة حين لا تطالب إسرائيل بإعادة أي كيلومتر من الأرض التي أخذتها كلها وتعتبرها "إسرائيلية" بالكامل ولا تعترف هي أو حتى المجتمع الدولي بوجود شيء اسمه "فلسطين"! غروسمان يتكلم عن "بطاقات سعر" و"جروح إهانات" ولكنه يتجاهل الجروح الفعلية كجرح الجاعونة أو جروحا أخرى لا تعد ولا تحصى منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى اليوم.  


       كيلومتر أو كيلومتران؟ لنتحدث قليلا عن الكيلومترات. في التاسع والعشرين من تشرين الثاني العام 1947 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 وبناء عليه منحت الدولة اليهودية 56.47 % من مساحة فلسطين الإجمالية أي حوالي 14865 كم2 علما بأن الملكية اليهودية الفعلية للأرض لم تتجاوز آنذاك 5.67 % أي 1493 كم2 لا غير. ومع الإعلان عن قرار التقسيم ابتدأت مباشرة عمليات استلاب واسعة تجاوزت "حصة" الدولة اليهودية لتصل مساحتها في العام 1949 إلى 5293 كم2. وفي العام 1967 احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة أي ما مجموعه 6165 كم2 وجاء قرار مجلس الأمن رقم 242 ليطالب إسرائيل بالانسحاب من "أراض" بدون الإشارة إلى فلسطين أو فلسطينيين أو حتى فلسطين الانتداب البريطاني. واليوم يبدو أن ما قد يحصل عليه الفلسطينيون لا يتجاوز 8 % من مساحة فلسطين التاريخية أي حوالي 2106 كم2. 


     ولكن ... هل ستقام على هذه المساحة دولة فلسطينية؟ فالصحيفة ذاتها التي نشرت مقال الإسرائيلي غروسمان قالت في افتتاحيتها لليوم التالي أن هدف إسرائيل والفلسطينيين وحلفائهم يتمثل في "أمة فلسطينية مستقلة إلى جانب الدولة اليهودية تعيشان في سلام". الصحيفة الأميركية تعرف كيف تختار عباراتها لتتفادى ذكر دولة فلسطينية مستقلة تتمتع بالسيادة الكاملة وتدرك ماذا يلوح في الأفق ... ربما لا شيء!      

التعليق