عبد الحليم و"المول" من يوميات صحفي في الخليج (1-2)

تم نشره في السبت 12 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً



    خطوات ثقيلة بطيئة هادئة في "مول" كبير جداً.. لديه اليوم وقت.. ليس مستعجلاً.. هو دائما ليس مستعجلا.. يرن في أذنه دائما تعبير "في التأني السلامة".
    لماذا جاء؟.. فقط لاحتساء فنجان من القهوة في مكان يرى فيه بشراً.. يتفرج عليهم.. وهو يحتاج أيضاً شراء بعض الأشياء الضرورية، ولكن لأن "في التأني السلامة" وهو ليس مستعجلا سيكتفي اليوم بالفرجة.. على الناس والأشياء.
     له عادة قديمة.. يقاوم بشدة لكي يحافظ عليها.. حين ينوي شراء حذاء يلف على جميع محلات الأحذية يقارن بين الأشكال والمواصفات، ويصوب على اختيارات محددة، ثلاثة أو أربعة اختيارات ثم يفاضل بينها ليستقر أخيرا على واحد منها، ربما يقضي يومين أو ثلاثة في اللف والفرجة.. حتى "يذوب حذاؤه الحالي من الاستخدام.. وحتى تتعب قدماه!.


      اليوم هو لا يريد أن يشتري حذاءً.. وإنما يستعد لشراء أشياء ضرورية أو نصف ضرورية للمنزل.. "مشايات" أو "سجاجيد".. أشياء من هذا القبيل.. أشياء كان يمكن الاستغناء عنها في زمن ما، ولكنها الآن أصبحت مهمة.. يلف بين المعروضات يقاوم بشدة الإغراء.. يقاوم حالة الفرجة على ما لا يريد شراؤه.. صحيح أن عنده وقت، لكنه لا يريد أن يستهلكه فيما لم يأت من أجله.. بين المعروضات يصادف وجوها وابتسامات.. تبدو وكأنها للبيع.. فيقاوم إغراءها أيضاً!.


       ساعة من اللف والفرجة والمقاومة.. قدماه المتعبتان تتوقف به أمام ركن شرائط الكاسيت والأغاني.. تتجه عيناه إلى أسماء مطربيه المفضلين.. يجد مجموعة عبد الحليم حافظ.. يمد يده يقلبها.. يتذكر أنه يفتقد أغنية قديمة: "حبيبي الغالي .. من بعد الأشواق.. بهديك كل سلامي وحنيني وغرامي.. نور عيني.. روح قلبي.. حبيبي.. حياتي.. مشتاق لعينيك مشتاق لك".
        نسي قراره الأولي بالمقاومة.. قراره ألا يشتري اليوم.. فقط يتفرج ويستعد.. أخذ الشريط الذي يحمل الأغنية دفع ثمنه وخرج..


       تذكر أن عبد الحليم كان مهما جدا بالنسبة له من كل ما بداخل "المول".. الأشياء والوجوه.. على كثرتها وزحامها.. تذكر أنه منذ زمن طويل لم يشاهد إعلاناً.. أي إعلان عن أغاني عبد الحليم.. تذكر أن أغانيه (كلها تقريبا) ليست مسجلة على فيديو كليب فلا يشاهدها كثيرا على الشاشة، فكيف استمرت قدرتها على الصمود أمام كم هائل من أساليب الدعاية والترويج!.. كيف استمرت كل هذه السنوات عالقة بذاكرته! وكيف نسي أنه يحتاج تلك الأغنية بشدة.. وتعجب أكثر أنه ما زال قادرا على الصمود أمام إغراء الإعلانات عن كل شيء وأي شيء!
        ابتسم صامتاً وسعيداً لأنه انتصر على قوة "المول الخرافية"، واعتبر نفسه "الناجي" الوحيد من سطوة المول.. أو سطوة المال.. ولكنه حذر نفسه من الإغراق في التفاؤل.. وذكَّرها أن الاستمرار في الصمود يحتاج مزيدا من الجهد النفسي.. يحتاج مزيدا من جهاد النفس ومقاومة الشاشات الإعلانية!


 أغمض عينيك
       ماذا يحدث حين ينفض الليل عن صورة الأصدقاء والزملاء والأبناء في خلفية الذاكرة.. حين ينفض الليل عن صمت طويل!.
       انقطع رنين الهاتف، واسودت شاشة التليفزيون.. لم يبق غير شبح آخر صورة بثتها.. وسكت أزيز الكمبيوتر وطارت في الهواء (أو في العدم) آخر جمل "التحدث كتابة" وهبت نسمة شاردة من آخر أطياف الشتاء في الظلام..
       لا شيء غير الوحدة والانتظار حتى يصيب التعب "سيال الأفكار" المتوالي فيغلق العينين بهدوء، ثم ينزلق الوعي بعد لحظة سرمدية قصيرة في عالم الصباح!
       الضوء الشديد يخترق العينين المتعبتين، أكثر أعضاء الجسم البشري جهدا -بعد الدماغ- في زمن الشاشة والصورة.. يعود الضجيج كما كان بالأمس.. ينزلق الوعي في عالم الصراخ والنميمة والهواجس والمجالات المغناطيسية "لحضور الآخرين".
      ولكن الوحدة تظل متلازمة مع الوعي لا تفارقه.. لا يستطيع الصراخ والطنين وضوء النهار الحاد وكهرباء الآخرين أن تطيرها.
       يصبح المساء كالصباح، لا فرق غير راحة العينين قليلا في لحظة سرمدية قصيرة!
الأوراق والأقلام والملل.. والعابرون في الزمن إلى الزمن.. وتوليد الحقائق من الأوهام، وتخليص الأوهام من براثن الحقائق حتى يعيش الوعي مستندا إليها لحظات.
       مرضى على الجانبين في الحدائق.. ومرضى على الجانبين في المستشفيات.. ونيام مفتوحو العينين في وضح النهار، لا توقظهم أبواق السيارات إلا لكي يفتحوا أبوابها.. يركبون ويركضون على عجلات أربع نحو "غاية ما" أو "غابة ما"!
      لا يختلف ضوء النهار كثيرا عن ظلام الليل ورائحة الخبز وطعم الشواء.. الماء كالهواء. لا فرق إلا في الكثافة، فمع الهرولة تختلط صورة الأشياء كشريط سينما سريع أو مرآة سيارة مسرعة.. تبتعد الأشياء فلا تبين.. تختلط سريعا.. تنكمش في لحظة سرمدية فيتوه جوهرها!
     سر ببطء يا رفيقي حتى نستمتع بصوت أم كلثوم وهي تغني "فات الميعاد"، حتى نسمع صوت البحر بجوارنا، حتى تفيض زرقته في عيوننا المهرولة.. حتى نمزج بين لون البحر وموعد الحبيب الذي فات.
     حتى تصير الوحدة في كثافة الهواء أو الماء، حتى تصبح شيئا يمكننا أن نراه فندركه.. حتى يمكن تسجيل اللحظة بالأوراق والأقلام.. بعيدا عن الملل.. حتى نتعايش مع الوحدة فلا تصبح هاجسا مخيفا.
      توقف قليلا أيها الشقي وتأمل الواقعية في زرقة السماء والمرآة..خذ نفسا عميقا لتتأكد أنك ما زلت على قيد الحياة، لكي تعرف أن لك "ذاتا" حية، وأنه لا يمكن أن تظل ضحية لضوء النهار والصورة المهرولة وجحيم الآخرين.
      توقف عن ابتسامتك الفارغة، وارسم على وجهك تعبيرا جامدا موازيا لكل ما حولك.. توقف عن النظر إلى العمق.. فلا يوجد جوهر..لا يوجد هدف حقيقي لكي تدركه.
أغمض عينيك في المساء أو الصباح ولا تفتحهما.. للأبد!
كاتب وصحفي مصري

التعليق