الأكراد والأميركان.. زواج عُقد في الجنة؟

تم نشره في الخميس 10 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

في كتابه " أمة في شقاق : دروب كردستان كما سلكتها " يروي جوناثان راندل الحكاية التالية ، يقول : شرح لي كاتب ومثقف كردي من السليمانية طبيعة المصالح المشتركة القائمة بين الأكراد و الأميركيين قائلاً : "إنه زواج عقد في الجنة ، لأننا نملك النفط و نريد الديمقراطية وفي أميركا لديكم الديمقراطية ولكنكم تريدون النفط ".


لن التفت إلى منطق التبادل الذي يحكيه ذلك المثقف الكردي الذي يجعل من الديمقراطية سلعة قابلة للتبادل مع النفط، الذي يفضح الخلفية الثقافية التي ينهل منها ليس المثقف الكردي وحده بل المثقف العالمثالثي.  من هنا فإني أيمم وجهي باتجاه عقد الزواج ذاك، فمنذ أن شرع الأكراد و الأميركان بخطب ود بعضهما بعضا ، قبل وأثناء وبعد احتلال العراق ، والأكراد يتصرفون وكأنهم شركاء في الاحتلال وليس كمواطنين عراقيين عليهم مقاومة الاحتلال ،


إن منطق الشراكة، الذي يأخذ صيغة "عقد في الجنة "، هو الذي يفتح شهية الأكراد على ركاكة إيديولوجية ما ملَت من الحديث عن الخطوط الحمر، فالعلاقة مع " الإسرائيليين " هي خط أحمر، فعلى مسار طويل يمتد من ستينات القرن المنصرم وإلى الآن ، ظلت العلاقة مع الإسرائيليين في تحسن مطرد، وعندما سئل الملا مصطفى البارزاني من قبل مجموعة من النسوة الفلسطينيات كما يذكر جوناثان راندل عن الكيفية التي يبرر فيها علاقته مع إسرائيل ، راح يصف نفسه بأنه مثل" شحاذ السليمانية الأعمى" الذي لا يسأل عن هوية من يضع في يده قطعة من النقود، ولم يكتف جوناثان راندل في التوصيف الدقيق لتلك العلاقة ، بل جاءت مقالة سيمور هيرش في النيويوركر 9 / 4 / 2004 لتتحدث عن وجود إسرائيلي يفوق في مداه فيما بات يعرف بـ " كردستان " العراق ، ليصل إلى التجسس على الداخل الإيراني ، وكركوك خط أحمر كما صرّح مسعود البارزاني أثناء زيارته إلى دمشق بتاريخ 20/10/2004 بقوله " كركوك خط أحمر وهي جزء من كردستان ومن الهوية الكردية " و " هي قدس من الأقداس " و مع أن القائد الكردي يعرف جيداً ، أن كركوك هي غنيمة حرب وهي جزء من صفقة عقد الزواج وأنها لم تكن في يوم من الأيام جزءاً من ما يسميه بـ "كردستان "، إلا أن ما يلفت النظر هو ولع القادة الأكراد والمثقفين المؤدلجين معاً ، بكثرة الخربشة باللون الأحمر، ولهذا فقد تجاوز الأكراد في سياق الانتخابات العراقية القائمة الآن كل الخطوط الحمر فيما يتعلق بكركوك فدفعوا بآلاف الأكراد إلى المدينة وهجروا آلاف العرب منها في سعيهم إلى تغيير ديمغرافية المدينة وهذا ما يرقبه الأتراك جيدا كما صرح رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان ووزير خارجيته بعد أن نسي العرب كركوك وباتوا من أكلة اللوتس كما تحدثنا الميثولوجيا الإغريقية، وما يلفت النظر أيضاً أنه حتى العلاقة مع العرب باتت موضوعة تحت خط أحمر؛ ففي سياق حملة الانتخابات العراقية التي تجرى تحت بيادق الاحتلال، صرح نوشروان مصطفى و قبله نيتشرفان بارزاني رئيس حكومة اربيل وابن شقيق مسعود البارزاني ، بأن "هناك ثلاثة خطوط حمر بالنسبة إلينا إذا تم تخطيها لن نعود عراقيين : إذا لم يقبل العرب مبدأ الفيدرالية ، فلن نعود عراقيين ، وإذا أقاموا نظاماً دينياً ، لن نعود عراقيين ، وأخيراً يجب إعادة الأراضي الكردية إلى كردستان " لا بل إنه و في إطار سعيه إلى تعديل عقد الزواج مع الأميركيين رأى " إن الحكومة المركزية هي التي تسيطر على نفط كركوك وهذا يجب أن يبدل ".


الحجج الثلاثة التي يسوقها المسؤول الكردي والتي يعج بها الخطاب السياسي الكردي وتلهج بها الصحف الكردية تفتح الباب على مصراعيه لانفصال الأكراد بعد أن يغنموا كركوك وذلك كشرط لإتمام عقد الزواج الذي يتم فيه تبادل الديمقراطية بالنفط . والذي يتتبع الأحداث في العراق يجد  أن الأكراد يقومون بحرب كردية جديدة في العراق على غرار ما فعل بهم النظام العراقي السابق ، إنهم يقومون بتهجير مئات الآلاف من العرب وهذا ما ذكرته بدقة التقارير الدولية. لا بل أن البارزاني صرح بأن هناك  300 ألف مهجر كردي يعودون إلى بلادهم. و يقول واقع الحال اليوم أنه تم زج مئات الألوف من الأكراد في كركوك، من أجل تغيير ديموغرافية المدينة لصالح الأكراد .


ما يلفت النظر في الخطاب السياسي الكردي، أن هذا الخطاب يجعل من عراقية الأكراد منة يمنون بها على الشعب العراقي، وفي رأيي أن هذا يعكس رغبة الأكراد كما أسلفت بالانفصال وأيضاً مخاوفهم مما بات ما يعرف بالمثلث السني بحجة أن المقاومة لمشروعهم وللمشروع الأميركي تتم من هناك وأخيراً من الدولة الدينية التي يزمع الشيعة بناءها كما يقولون .


قديماً قالت العرب صهر الأمير أمير ، ومبروك على القادة والمثقفين عقد الزواج مع الأميركيين، لكن الخوف أن الأميركي مزواج ومغرم بتعدد الزوجات ولم يسبق له أن وقع في غرام الأكراد أو أية امرأة كردية كما فعل الرئيس الياور، و قد سبق له وأن عقد أكثر من عقد زواج في الجنة مع الأكراد ولكن تلك العقود باءت بالفشل ،والسبب بسيط أن الأمير الأميركي البراغماتي لا يريد لعهوده أن تدوم ولا لمواثيقه ، فلا عداوات دائمة ولا صداقات دائمة كما يقول مذهبه. وهنا مكمن الخوف الذي يفرض على الآخرين وفي مقدمتهم الأكراد؛ فعليهم أن يراجعوا حساباتهم دوماً ، مع من يتبادلون سلع النفط والديمقراطية .

التعليق