مناسبات ظلمناها

تم نشره في الأربعاء 9 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

اسباب وممارسات عديدة ادت الى تشويه اشكال التعامل والنظر الى المناسبات الدينية والوطنية, بحيث تحولت هذه الايام في حدها الاقصى الى ايام عطل رسمية, وعند المعنيين الى اعباء ادارية واحتفالات مفعمة بالمجاملات والروتين والتكرار عاماً بعد عام.


فمناسبة كريمة مثل بداية العام الهجري وامثالها تمثل في حقيقتها جزءاً من هوية الامة, ومعناها الحقيقي انها بعض مفردات تاريخنا عرباً ومسلمين, فهي ليست مناسبة دينية محضة لتلاوة بعض الاناشيد والقاء بعض الكلمات, او لبث تمثيليات وافلام دينية معظمها من فئة الابيض والاسود او مات معظم ممثليها وفنييها, بل مفردة من تاريخينا جميعاً, وجزء من تشكيلة هذه الامة مسلمين ومسيحيين, تماماً مثلما يمثل وجود مهد سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام في بلادنا جزءاً من هويتنا وتاريخنا.


فالهجرة النبوية ليست قصة رحيل من مكة الى المدينة, واول من ادرك ابعادها الحقيقية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب الذي جعلها بداية التاريخ للمسلمين, لانه عرف وادرك انها بداية تحول في مسار الامة وبناء دولة عربية اسلامية ما زلنا حتى الان نعيش ثمارها, تجاوز الفاروق النهج الذي يسيطر على عقول بعضنا من الشكليات ورفض ان يكون بداية التاريخ ولادة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام او بعثته عليه السلام, فالتاريخ الحقيقي يبدأ في بناء الدول والمجتمعات وتشكيل هوية ثقافية سياسية للامة.


لكن التشوه الذي اصاب العقل العربي والمسلم والاستغراق في الشكليات والقشور جعلنا دائماً نأخذ الجانب غير الاهم في كل مناسبة, بل ان المناسبات تتحول الى عبء يبحث اهله عن خطب جاهزة في كتب قديمة, ونرى في الهجرة النبوية او المولد الكريم فرصة للهروب الى البلاغة والانشاء و(تصفيط) الجمل التي لا تتجاوز قاعات الاحتفالات الى قلوب المستمعين, وكأن هجرة النبي عليه السلام كانت عملاً روحانياً وليست خطوة لبناء حضارة ودولة واحداث تغيير جذري في مسار الامة والانتقال بها من مرحلة الى اخرى.


والتشوه جعلنا نعتقد ان هذه المناسبات الكريمة خاصة بوزارة الاوقاف والمتدينين؛ اما غيرهم فلهم العطلة الرسمية, لكنها مناسبات فكرية في زمن البحث عن الاصلاح بأشكاله او في دراسة فكر عالم يتحدث عن مواقع الامم او صراع الحضارات, فالهجرة حالة فكرية قبل ان تكون نشيدة صوفية او شعراً يتحدث عن البدر وطلوعه, فالبدر الحقيقي هو الامة وبناء دولتها الحضارية, والاستغراق في حكاية العنكبوت الذي اغلق باب الغار او الحمامتين وبيوضهما او اغنام الراعي ونطاق اسماء بنت ابي بكر رضي الله عنهما, كل هذا الاستغراق هروب من جوهر المناسبة لتحويلها الى حكاية مسلية على حساب قوة دلالاتها وعمق تأثيرها في مسار العالم منذ ذلك اليوم وحتى قيام الساعة.


المناسبات الدينية ليست كهنوت وشكليات رتيبة, كما انها ليست حكراً على المسلمين دون بقية العرب, فالعرب المسيحيون الجزء الاصيل من هذه الامة شركاء المسلمين في هذه الحضارة والدولة التي لم تقم على اسس عنصرية او تفريق ديني, وكان العرب المسيحيون وحتى اليهود قبل ان تسرقهم الصهيونية العنصرية هم قادة في العلم والفكر والفن, وقدموا اسهامات حقيقية في بناء الدولة العربية الاسلامية.


لقد ذهبنا بهذه المناسبات العظيمة الى غير مرادها ودلالاتها, وها هو المنظر السنوي يتكرر؛ رجال اغلبهم من رجال الدين يملؤون قاعة بدعوات رسمية او محاضرات رتيبة تكرر ما يحدث كل عام, وسلسلة من التهاني والاعلانات في الصحف, اما الاعلام فلديها خطوة مكررة في البحث في الارشيف عن تمثيلية دينية او فلم يتحدث عن الاسلام وغزوة بدر حتى وان كان الرقص جزءا اصيلاً من الفلم الديني, وعطلة رسمية يتمناها الموظفون كما هي هذا العام متصلة بأيام عطل اخرى.

التعليق