الانتخابات العراقية واستحالة بناء أكثرية ديمقراطية

تم نشره في الأحد 6 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

    هنري كيسنجر رئيس شركة "كيسنجر أسوشيتس" الاستشارية كان وزير خارجية أميركا بين 1973و1977 وجورج شولتز عضو بارز في مؤسّسة هوفر في جامعة ستانفورد وكان وزير خارجية أميركا بين 1982  و1989 ،  الاثنان كتبا مقالا مشتركا في الواشنطن بوست وهو أسلوب غير معهود في الكتابة السائدة في الولايات المتحدة، إلا أن الأمر يبدو هنا وكأنه توصيف بصورة استشارية تحاول أن تكون جمعية ولو في الحد الأدنى لتبيان المخاطر المترتبة على الانتخابات العراقية من حيث الوضع الأكثروي حيث تكشفت لأول مرة في العقلية الأمريكية- وإن على صعيد ضيق- مخاطر إقامة الديمقراطية على قاعدة التقسيمات المجتمعية السائدة، وليس على أساس المواطنية ومبدأ المصلحة اللذين يحددان صفة الانتماء والتمثيل في المجتمعات الديموقراطية المعاصرة.


     ومع ذلك يبدو التوصيف الذي يتخذه هذان المحللان مقاربا فرديا للمشكلة فهما يريان أن الانتخابات تؤذن بانطلاقة حرب أهليّة وهو ما ينعكس في الولايات المتحدة كوسيلة للمطالبة باستراتيجية خروج ، الأمر الذي يرفضه الاثنان على قاعدة عدم المراوغة في حساب النتائج، إذ أن الشرط المسبق الأساسي للحصول على استراتيجية خروج مقبولة هو ضمان نتيجة مستدامة، وليس تحديد تاريخ عشوائي للانسحاب. لأن النتيجة في العراق سترسم السياسة الخارجية الأميركية في العقد المقبل. ومن شأن الهزيمة أن تؤدّي إلى سلسلة من الاضطرابات العنيفة في المنطقة، حيث سيسعى الراديكاليون والأصوليون إلى السيطرة، وستكون الرياح مؤاتية لهما على الأرجح، وركائزهم في هذا أنه أينما يوجد عدد كبير من السكّان المسلمين، ستكتسب العناصر الراديكالية زخماً، ومن شبه المؤكّد لهما أنّ الانسحاب الأميركي المعجّل سيقود إلى حرب أهليّة أسوأ بكثير من حرب يوغوسلافيا، ومن شأنها أن تتفاقم مع انتقال الدول المجاورة من مرحلة التورّط الحالي إلى مرحلة التدخّل الكامل.


    المشكلة حسب هذا التوصيف تتمثل لديهما في أن ما يقوله متفائلون ومثاليّون من إنّه يمكن إنشاء مجموعة كاملة من المؤسّسات الديموقراطية الغربية في إطار زمني ترعاه العمليّة السياسية الأميركية، يعني على الأرجح أنّ الواقع سيخيّب هذه التوقّعات، فالعراق مجتمع تمزّقه قرون من الصراعات الدينية والإثنية، وتجربته محدودة جداً أو معدومة مع المؤسّسات التمثيلية ويكمن التحدّي هنا في وضع أهداف سياسية تجسّد تقدّماً مهماً وتحظى بالدعم في أوساط المجموعات الإثنية المختلفة. والمشكلة هنا أنه وحسب المتفائلين أيضاً: بما أنّ الشيعة يشكّلون حوالى 60 في المئة من السكّان والأكراد من 15 إلى 20 في المئة، وبما انهم لا يريدون سيطرة السنّة، هناك تلقائياً غالبية ديموقراطية. من هذا المنطلق، بدأ قادة شيعة العراق يقدّرون منافع "الدمقرطة" والدولة العلمانية بعد أن شهدوا على نتائج غيابهما في ظلّ التيوقراطية الشيعية في إيران المجاورة.


     هذه الوضيعة يرى كيسنجر وشولتز أنها ستكون إيذانا بالحصول على مجتمع تعدّدي بقيادة الشيعة، وهنا يرون بأنه إذا كان لعمليّة ديمقراطية أن توحّد العراق سلمياً، فسيتوقّف الكثير على الطريقة التي تحدّد بها الغالبية الشيعية الحكم . وهذا الأمر يحكمه أن القادة الشيعة غير واضحين بشأن أهدافهم، لكنهم أصرّوا على إجراء انتخابات مبكرة في الواقع، حيث حُدِّد تاريخ 30 كانون الثاني/ يناير بالاستناد إلى شبه إنذار صادر عن المرجع الشيعي الأعلى، آية الله علي السيستاني. كما طالب الشيعة بأن تجري الانتخابات على أساس لوائح مرشّحين وطنية، وهو ما يراه كلاهما يؤثّر سلباً في المؤسسات السياسية الفيدرالية والإقليمية، لأن  التصريحات الشيعية الأخيرة قد ركزت على هدف الدولة العلمانية لكنّها تركت كلّ الاحتمالات مفتوحة حول تفسير حكم الغالبية(أي هل هي طائفية أم وطنية) ومن شأن تطبيق استبدادي لحكم الغالبية أن يصعّب تحقيق الشرعية السياسية، وستصبح الأقلّية الكردية والمجموعة السنّية في البلاد في صفّ المعارضة الدائمة.


    هنا يلتقط الاثنان ما لم تلتقطه حكومة بوش حتى الآن إذ أن دعواها للديمقراطية التي كررها بنفس الطريقة الرئيس جورج بوش وكونداليزا رايس دون حسابات الواقع التي يقدمها بوش وشولتز ستعني استمرار المأساة ، أقله إذا لم يعِ الرئيس وسكرتيرة دولته ما يقوله الثنائي كيسنجر-شولتز وخاصة ملاحظتيهما الحاذقة من أن الديمقراطية الغربية قد تطوّرت في مجتمعات متجانسة، حيث قبلت الأقليّات بحكم الأكثرية لأنّه كان لديها أمل بأن تصبح أكثرية ذات يوم، وفُرِضت قيود على الأكثرية في ممارسة سلطتها، وذلك من خلال وضعها المؤقّت ومنح ضمانات للأقليّات يسهر القضاء على تنفيذها، وهذا يعني أنه لن تنجح هذه المعادلة في بلد يحدّد الانتماء الديني فيه الأقلّيات في صورة نهائية، وتثبّتها في وضعها هذا الاختلافات الإثنية وعقود من الديكتاتورية الهمجية. وهنا يُعتبر حكم الغالبية في هذه الظروف نسخة بديلة من قمع القويّ للضعيف.


      ففي المجتمعات المتعدّدة الإثنية، يجب حماية حقوق الأقليات من خلال ضمانات هيكلية ودستورية، إذ تحدّ الفيدرالية من فرص لجوء الغالبية العددية إلى الاعتباطية، وتسمح بالاستقلال الذاتي في مجموعة محدّدة من المسائل. وعليه فهما يبنيان رؤيتهما على أن التجربة الأميركية مع الثيوقراطية الشيعية في إيران منذ 1979 لا توحي بالثقة في قدرة الأمريكيين على توقّع الاتّجاه الذي سيسلكه الشيعة أو احتمال بروز كتلة دول يسيطر عليها الشيعة وتمتدّ حتى البحر المتوسّط !.


     استراتيجية الولايات المتحدة المستمرّة  تتمثل بعد الانتخابات في منع أيّ مجموعة من استخدام العملية السياسية لفرض سيطرة من النوع الذي كان يتمتّع به السنّة من قبل، كما يقول المحللان والحؤول دون تحوّل أيّ منطقة ملاذاً للإرهابيين ومركزاً لتجنيدهم، على طريقة حركة طالبان، ومنع الحكومة الشيعية من أن تصبح ثيوقراطية إيرانية أو محلّية، وإفساح العملية الديموقراطية العراقية المجال أمام استقلال الأقاليم الذاتي.


     ولكن اللافت في السياسة الواقعية التي يحاول أحد اهم روادها ضخها في السياسة الإيديولوجية للتيار الحاكم في الإدارة الأمريكية أنها تنصح هؤلاء بإجراء حوار مع كلّ الفرقاء لتشجيع بروز قيادة علمانية من القوميين وممثّلي الأقاليم بحيث تؤدّي عمليّة إعداد الدستور إلى إنشاء اتّحاد فيدرالي مع تركيز على الاستقلال الذاتي للأقاليم. ويجب أن تفهم كلّ مجموعة ترفع سقف مطالبها فوق هذه الحدود، نتائج تفكّك الدولة العراقية إلى أجزائها المكوِّنة، بما في ذلك جنوب تسيطر عليه إيران، ووسط سنّي إسلاموي صدّامي واجتياح المنطقة الكردية على يد الدول المجاورة لها. وضرورة أن تسعى الإدارة الأمريكية إلى فصل المجتمع السنّي المشوق لعيش حياة طبيعية عن ذاك الذي يقاتل لاستعادة السيطرة السنّية. كما يجب أن تتابع الولايات المتحدة بناء جيش عراقي سيضمّ، في ظلّ التمرّد السنّي، المزيد من المجنّدين الشيعة، مما يجعل جبهة الرفض السنّية في وضع لا تستطيع الخروج منه منتصرةً. لكن يجب ألا تستبدل الديكتاتورية السنّية بتيوقراطية شيعية. إنه خيط رفيع لكنّ نجاح السياسة الأميركية في العراق قد يتوقّف على القدرة على السير عليه، فالأمن الكامل في 70 في المئة من البلاد أفضل من 70 في المئة من الأمن في كلّ البلاد لأنّ المناطق التي تنعم بأمن كامل، يمكن أن تشكّل نموذجاً وعامل استقطاب لأولئك الذين يعانون في مناطق غير آمنة. ولهذا يطالب الإثنان باستراتيجية للخروج مستندة إلى الأداء وليس إلى المهل الزمنية الزائفة، وتقيس التقدّم حسب القدرة على التوصّل إلى أجوبة إيجابية عن هذه الأسئلة.


      هذه الرؤية يبدو أن الرئيس الأمريكي على الأقل بات يتجاوب معها وخصوصاً مع خروج كولن باول ، وهذا ما ظهر من خلال إعلانه عن الاستجابة بالخروج من العراق إذا ما طالبت بذلك الحكومة العراقية المنتخبة، وهو ما يشكل إعلاناً مبدئيا باستراتيجية خروج متسارعة يبدو أن الإصرار الأمريكي على إجراء الإنتخابات في هذا الموعد بالذات تقف وراءها، أقله بخصوص الانسحاب إلى القواعد الخمس وإدارة الصراع عن بعد وإقحام دول عالمية وعربية في عملية إعادة الأمن.

التعليق