الانتخابات العراقية وتداعياتها الإقليمية

تم نشره في الأحد 6 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    الانتخابات الأخيرة في العراق، ليست نهاية المطاف، بل هي الخطوة الأولى على حد تعبير الرئيس الأمريكي جورج بوش. ولكن السؤال الذي تستدعيه ملاحظة الرئيس الأمريكي ليس حول هذه الخطوة بل حول المسيرة التي ستليها. التحضيرات والمؤتمرات الإقليمية التي سبقت الانتخابات وهيأت الظروف لإنجاحها، إشارة إلى أن هذه الانتخابات لا تعني فقط مسارا عراقيا، بل أيضاً مسارا إقليميا. فالعراق بمقدار ما تمثل مسيرته من نتائج لمواقف كل الأطراف الإقليمية، فإن ما يجري على ساحته السياسية ينعكس بشكل حاسم على مجمل الديناميكيات الإقليمية.


    ومن السذاجة الاعتقاد بأن نتائج هذه الانتخابات ستقتصر على تغيير الديناميكيات والعلاقات الإقليمية، وانما سيكون لها تأثيرات أكثر عمقاً، ستطال البنى الداخلية للكثير من الأطراف الإقليمية، بما في ذلك طبعاً العلاقات الإقليمية.


    صحيح أن العامل الأمريكي هو الأكثر حسماً في تغيير بنية العلاقات الإقليمية، والتركيب الداخلي للعديد من الأطراف الإقليمية، ولكن الولايات المتحدة كانت دائماً أمام خيارات صعبة، وحده عراق جديد، ومنسجم في تكوينه الداخلي وسياساته الإقليمية مع ما تريده الولايات المتحدة هو الذي سيمكنها من متابعة مشروعها الإقليمي بأقل كلفة. وستنحصر الكلفة التي ستتحملها الولايات المتحدة على ضمان أن يبقى العراق في المسار المطلوب منه. والعراق الجديد سيجد نفسه موضوعياً يشارك في تحريك الإقليم باتجاهات تطور جديدة.


     التداعيات غير المباشرة للانتخابات العراقية هي ما يستحق التوقف عنده. فمع غياب أي فرصة لبروز تداعيات مباشرة وملموسة هي أهم نتيجة للعملية السياسية العراقية التي صممتها الولايات المتحدة وبدأت في الانتخابات الأخيرة. فأهم نتيجة ستلمس قريباً هي رغبة وحاجة جميع الأطراف الإقليمية بلا استثناء أن تتحرك لتتكيف مع العراق الجديد، ومع العملية السياسية الأمريكية التي بدأت بالعمل في العراق. وكما هي لعبة الشطرنج، فإن قيام كل طرف بإجراء التكييف الضروري، يعني أن الإقليم سيتغير بالنسبة للأطراف الأخرى. وسيجعل عملية التغير والتكيف أكثر ضرورية للأطراف الأقل استعداداً للمبادرة، أو الأقدر على ممانعة المؤثر العراقي الأمريكي.


     درجة الحساسية، وضرورة إجراء التغييرات، والحاجة لتنفيذ تغييرات لضمان التكيف مع البيئة الإقليمية الجديدة، تتناسب طردياً مع درجة الاعتمادية على العالم الخارجي من جهة، ودرجة الاعتمادية على الولايات المتحدة بوجه الخصوص. ولا يمكن قراءة المواقف الإسرائيلية الجديدة إلا من هذا المنظور. صحيح أن إسرائيل جزء مركزي وحيوي في الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة، ولكنها ليست نقطة إسناد.


     طبيعة مواقف الأطراف الإقليمية الأخرى، ومدى قدرتها على التكيف، وطبيعة استجابتها للعملية السياسية الجديدة، هي التي ستقرر إلى حد كبير مدى عملية التغير والتكيف الإسرائيلية.


رفض هذه الأطراف للاعتراف بالحقائق الجديدة، لن يحميها من ضرورة التكيف والتغيير. بل سيجعل عملية التكيف أكثر إيلاماً وصعوبة وربما دموية. كما أن قبولها لأن تتغير بلا حساب وبلا توازنات سيجعلها عرضة لتدفع هي ثمن وكلفة الدراما الإقليمية القادمة.


     من جهة أخرى فإن أي تحد إقليمي للتغيير ورفض له، سيزيد من قيمة إسرائيل، ويزيد من قابلية تسويق إسرائيل كحليف للولايات المتحدة. كما أن انتظار التعليمات الأمريكية لإجراء التغييرات على التلفون، سيقلل من كلفة السياسة الأمريكية الداعمة لإسرائيل بلا حدود.


لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي فإن معظم الأنظمة العربية، إن لم تكن جميعها، ستدفع كلفة النصر الإسرائيلي. ولن يكون الفلسطينيون فقط من يدفع هذه الكلفة. كما أن الأنظمة التي أرادت تجنب كلف الحرب والسلام مع إسرائيل، عليها الآن أن تدفع كلفة ابتعادها عن الصراع. وهذا قانون تاريخي مهم، أن الذي يدفع ما يستحق عليه في الصراع مبكراً، يتجنب دفع الاستحقاقات المتأخرة. بل إن هناك العديد من التجارب الإقليمية تؤكد أن كلف الصراع تتوزع بين استحقاقات الانخراط به مبكراً، أو استحقاقات تصفيته. فمن لم ينخرط في الصراع من الأطراف الإقليمية سيدفع كلفة تصفيته. ولكن لا يوجد لأي كان مهرب من استحقاقات التاريخ والجغرافيا. والتنافس في الديناميكيات الإقليمية هي في توزيع كلف إدارة الصراع، وتوزيع كلف تصفيته.


    النظام العراقي السابق، دفع كلفة عالية، والشعب العراقي دفع أيضاً كلفة عالية، والآن جاء دور الأطراف الأخرى شعوباً وأنظمة. فكما دفع عرفات ثمناً باهظاً، ودفع الشعب الفلسطيني أيضاً ثمناً باهظاً، الآن جاء دور الآخرين ليدفعوا استحقاقاتهم. الذي يبتعد عن الصراع في مراحله الحاسمة يتحول إلى كعكة يتقاسمها المقاتلون بعد أن يلقوا السلاح ويجلسوا لمائدة المفاوضات. فأهم قطعة في أثاث موائد المفاوضات هي الكعكة التي تتكون من الأطراف الذين رفضوا حقائق التاريخ والجغرافيا.


    واهم نتيجة مباشرة ستكون للانتخابات العراقية التي جرت الإسبوع الماضي، هي التداعي العربي للبحث عن ما يمكن أن يقوموا به بعد تقديم التهاني للشعب العراقي. فهناك العديد من المؤتمرات على مستوى القمة، والعديد منها على المستوى الوزاري، ستتركز كلها حول قضية واحدة هي شروط وخطوات التكيف مع العراق الجديد وعمليته السياسية. وبمقدار ما غابت عن الجميع فرصة بلورة موقف موحد في التعاطي مع الصراع، لن يكون متاحاً لهم بلورة صيغة استجابة جماعية. فكل ما سيتبلور عن هذه اللقاءات تحديد اتجاهات الحركة لاستجابات قطرية وفردية.


     تفتيت مركزية العراق، سيعني أيضاً تفتيت مركزية العرب الإقليمية. العالم العربي تراجع وزنه الإقليمي بشكل واضح. والذي رفض في مرحلة قوته الدخول في شراكات موضوعية، لن تتاح له فرص حقيقية للتفاوض على شروط الشراكة بعد أن انكشف ضعفه. فالعالم العربي أمام خيارين لا ثالث لهما. البحث عن شركاء إقليميين، وبالتالي عليه هو تمويل عمليات شراكة إقليمية جديدة، وهذه الخطوة تخدم الولايات المتحدة واستراتيجيتها في المنطقة، أو المضي قدماً في التعامل مع العالم والولايات المتحدة من خلال صيغ قطرية ضعيفة ومكشوفة، وهذا يخدم أيضاً الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. البقاء في حالة الشلل الراهنة، لن يستفيد منه احد سوى إسرائيل وبعض السماسرة هنا وهناك. والمرحلة تتطلب أكثر بكثير من (الطرقعة بالمسابح). حتى مشروعات التكيف الفردية، تحتاج إلى كفاءة عالية، وتركيز عالٍ للجهد، يبدو أن الكثيرين غير مؤهلين له. 

التعليق