فرنسا.. بين مطرقة اوروبا وسندان اميركا

تم نشره في الجمعة 4 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

ينتظر الساسة والدبلوماسيون في باريس واوربا بتفاؤل حذر، اللقاء بين الرئيس الامريكي جورج بوش ونظيره الفرنسي جاك شيراك نهاية الشهر ، لمعرفة امكانية فرص نجاحهما في طي صفحة الخلاف الحاد الذي نشب بينهما عشية بدء العد التنازلي للحرب الامريكية على العراق، والتي بدورها اضعفت الدور السياسي لاوروبا وفرنسا في المنطقة.


 وفي بادرة ايجابية لتغيير مزاج بوش المتشدد تجاه بلده، ولمحاولة تخفيف حدة التوتر بينهما والذي القى بظلاله على وحدة اوروبا، والحلف الاطلسي (الناتو)، بين جبهة مناوئة للحرب بقيادة فرنسا، وجبهة اخرى موالية لها بقيادة بريطانيا، قام شيراك بالاتصال مع بوش مؤخرا، وتبادلا اطراف الحديث حول الانتخابات العراقية التي نظمت قبل ايام بحماية ورعاية واشنطن.


 ومع ان النتيجة النهائية للتصويت ستحتاج لايام لاعلانها بشكل نهائي، الا ان شيرك سيحاول خلال اجتماعه الثنائي مع بوش، التأكيد على ضرورة حل "عقدة مشاركة السنة" في صياغة المرحلة الجديدة لبلادهم، واعطاء زخم ممائل لعملية السلام الشرق اوسطية بعد انتخاب زعيم فلسطيني جديد.


والمأمول فرنسياً ان يتم اعادة الاعتبار للسنة من خلال دستور جديد يوفر ضمانات كافية لحماية حقوق الاقليات، ويؤسس لعراق موحد وقوي، بعد ان قاطع عدد كبير من السنة الانتخابات وسط انعدام الامن وهيمنة شبح الحرب الاهلية.
ويبدو ان فرنسا، التي تراهن على امكانية حدوث تغيير ايجابي في موقف بوش بشأن الصراع العربي الاسرائيلي وملف العراق بعد اعادة انتخابه، قد عقدت العزم على "بلع موسى الخلاف"  من خلال دعم الجهد الامريكي في مرحلة ما بعد الانتخابات في العراق،  شرط ان تؤدي الى تهيئة الظروف المناسبة لرحيل القوات الامريكية والاجنبية، وعودة السيادة الكاملة خلال فترة زمنية محددة.


 وهذه مفارقة واضحة في موقف فرنسا التي دافعت في الامم المتحدة وبشدة ضد التدخل العسكري الامريكي واحرجت بوش، وكسبت شعبية عارمة في العالم العربي، على حساب اضعاف علاقاتها مع واشنطن، ودورها في اوروبا.


ولهذا قررت فرنسا، التي عارضت تدخل الناتو في جهد الاطاحة بصدام، ولاحقا مساعدة امريكا على مواجهة جيوب "التمرد" العراقي، قررت ارسال اشارات ايجابية لواشنطن.  ووافقت على البدء بتدريب المئات من عناصر الامن، لكن ليس داخل العراق (التدريبات ستجري في الاردن وقطر).


وستساعد هذه الخطوة على ترطيب الاجواء مع واشنطن، وبدء اعادة اللحمة للجسم الاوروبي الضعيف وللناتو، حيث تؤمن العديد من دول اوروبا بضرورة المساعدة على عودة الاستقرار للعراق ولفلسطين، بعد ان بدأت رياح التغيير تهب  على الذهنية الاستراتيجية السائدة، عقب الحماس الذي ابداه العراقيون والفلسطينيون للمشاركة بالانتخابات الاخيرة.


 فبعد سنتين من النقاش الحاد في اوروبا حول مشروعية واحقية واشنطن بخوض هذه الحرب، فان ساسة الحلف يفكرون الان باستراتيجية جديدة لمساعدة العراقيين على بسط السلطة والاستقرار ودعم جهود اعادة الاعمار، حتى لو كان ذلك بجهد رمزي. فالدول الاوروربية التي عارضت الحرب، ترى ان مخاوفها من تداعيات مغامرة العراق كانت صائبة، والان عليها التعامل مع الواقع الجديد في العالم من خلال ولاية بوش الثانية.


 وتبقى هناك مخاوف مشروعة من امكانية عودة التوتر لعلاقات فرنسا مع امريكا، بسبب التباين حول توقيت مغادرة الجيش الامريكي؛ حيث تتحدث تقارير واشنطن ان ذلك لن يبدأ قبل عامين، بينما تعتقد فرنسا ان نهاية 2005 قد تشكل فرصة مواتية.


الا ان الدبلوماسية الفرنسية تبدو راغبة هذه المرة في اعادة الاعتبار لنفوذها  السياسي والاخلاقي في اوروبا والمنطقة من خلال العزف الجماعي داخل المجموعة الاوروبية. وهاهي تحاول جاهدة من خلال ترويكا اوروبية، العمل على امكانية منع وقوع ازمة كارثية بين امريكا وايران بسبب الملف النووي، لانها لا تريد ان تفشل اوروبا مرة اخرى في منع نشوب ازمة اقليمية.


وبعد انضمام اعضاء جدد للاتحاد الاوروبي في أيار مايو 2004، وتطوير سياسة الامن والدفاع المشترك بطريقة مؤسسية، واعادة تشكيل البرلمان الاوروبي والمفوضية الاوروبية ، والانتهاء من مسودة الدستور الاوروبي الجديد الذي سيحول اوروبا الى لاعب سياسي يحسب له الحساب بعد اقراره ، تشعر فرنسا بضرورة اعادة النظر بطريقة عملها والتعامل بايجابية اكبر مع التغيير الحاصل في اوروبا والعالم.


وظهرت بدايات محاولات التقارب مع امريكا العام الماضي، بعد ان دعمت باريس جهود واشنطن لاستصدار قرار من الامم المتحدة يطلب من دمشق سحب قواتها من لبنان، والا ستواجه عقوبات.


وستبرهن الشهور القادمة على بدايات التغيير الاستراتيجي في سياسة فرنسا الخارجية، لاستعادة جزء من دورها السياسي في المنطقة، تخليدا لذكرى امجادها الديغولية.


ولكن الاكيد يبقى ان فرنسا لن ترسل مدربين عسكريين لداخل العراق، ولن تقوم بلعب اي دور مباشر ضمن قوات التحالف في المرحلة المقبلة، وستصر على ضرورة تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالعراق، وتوفير مظلة لحل دولي، اضافة الى وضع جدول زمني لعودة السيادة مع بدء مرحلة رحيل القوات الاجنبية.

التعليق