الطريق إلى مستقبل العراق

تم نشره في الأربعاء 2 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

جدل الاحتلال-المقاومة والطائفية:

 


       في ضوء مشهد الانتخابات العراقية وطبيعة المعادلة الحالية، يجدر بنا أن نخرج قليلا عن نمط تفكيرنا السابق وأن نقرأ الأمور بدرجة أكبر من الموضوعية والتحليل؛ والقراءة التي أقصدها تبدأ من التساؤلات التالية: لماذا شاركت مختلف الطوائف العراقية –باستثناء السنة-، وأعداد كبيرة من المغتربين وقبلوا بالديمقراطية في ظل الاحتلال الأمريكي؟ هل يمكن أن نصف هؤلاء جميعا بالخونة؟!، هل يفتقدون إلى الشعور الوطني والديني؟ وهل السنة وحدهم فقط يمثلون الجماعة الوطنية ضد الاحتلال؟ وهل مسار المقاومة الحالي يحمل في نهايته مفتاح تحرر العراق ومصالحه الوطنية؟


     في مناقشة الأسئلة السابقة، لا أرى أن هناك اختلافا بين العراقيين من مختلف الطوائف على تعريف المقاومة بأنها فعل حميد وواجب ديني ووطني، وأن الاحتلال فعل بغيض ومكروه دينيا ووطنيا وإنسانيا. لكن هناك ظروفا وأسبابا تقف وراء السلوك السياسي للأكراد والشيعة وتدفعهم إلى مهادنة الاحتلال وتأييده في بعض الأوقات، وتباعد بين مواقفهم ومواقف السنة، وبلا شك فإن تجربة حزب البعث البائسة تفسر بشكل عميق طبيعة هذه المواقف.


     فالشيعة عانوا من الاضطهاد والقمع، ومنعت حريتهم الدينية والسياسية، وارتكبت "الحقبة الصدامية" بحقهم مذابح ومجازر كبرى، وأدت إلى تشريد مئات الألوف –إن لم يكن أكثر- من الشيعة من بلدهم، ونقلت زخم النشاط السياسي والديني الشيعي من العراق إلى إيران، وتحولت النجف إلى هامش تابع لقم، وأصبح آية الله في طهران هم مراجع الشيعة، بينما العراقيون مجرد تابعين أو خائفين ساكتين، وإذا حاولت المدرسة الصدرية تجاوز هذه التبعية قام صدام وجلادوه بقتلهم والتنكيل بهم من باقر الصدر إلى محمد الصدر.


    وخلقنا نحن عرب الجوار شعورا لدى الشيعة العراقيين بالاغتراب السياسي والديني والاجتماعي، إذ أيد العرب جميعا صدام بحجة ممانعة الثورة الإيرانية، ولم نقل كلمة حق علنية وواضحة ضد المجازر والجرائم وسياسات التهميش المخيفة التي ارتكبت بحق هذه الطائفة، التي أن قبلنا رواية السنة العراقيين أنها لا تشكل الأغلبية، فهي بالتأكيد تمثل تقريبا نصف المجتمع العراقي. كما تحرك "التيار السياسي السلفي" ليقف مع النظم العربية ضد الشيعة، سواء في العراق أو في دول الخليج الأخرى كالبحرين والسعودية.


لقد أوجدت تلك الظروف التاريخية والسياسات المحيطة مجتمعا شيعيا في العراق يشعر بحالة من الاغتراب عن بلدهم ومحيطهم العربي، وتمت عملية الإقصاء المنتظم لهم، وترسخ شعور عام لدى هذه الطائفة بحتمية التحالف مع إيران –وإن كان هناك شعور بالغبن من توازنات هذا التحالف- لكنه تحالف المكره في ظل الظروف المحيطة.


      وحاول الشيعة كسر طوق الحصار عدة مرات، لكنهم فشلوا، ووصلوا إلى إدراك سياسي باستحالة القيام بتغيير داخلي، وبأن كل محاولات الانقلاب على نظام البعث ستؤدي بهم إلى الكوارث، كما شعروا بالخذلان الكبير من العالم الخارجي بعد ثورة عام 1991 عندما استخدم نظام صدام كل وسائل القتل والقمع لإخماد الثورة التي اندلعت بعد انسحاب الجيش العراقي، ووصلوا في السنوات الأخيرة إلى حالة من الإحباط الشديد وأصبح الحل الوحيد لهم إما الانتظار في ظل ظروف بائسة أو الهجرة والاغتراب الجغرافي عن الوطن بعد حالة الاغتراب النفسي والثقافي والسياسي!.ولما انطلقت المقاومة العراقية لم تترافق مع خطاب سياسي يحمل براءة السنة من الحقبة السابقة، بل كان هناك تفسيرات متعددة للمقاومة تربط بينها وبين البعث وبقايا النظام السابق أو بينها وبين الحركة الجهادية الأممية التي تحمل فكرا معاديا للشيعة يصل في بعض الأحيان إلى درجة التكفير، ولم تلتقط بعد الحركات السياسية السنية الوقت الكافي لتقديم كشف حساب في المرحلة السابقة، ورفع ضمانات للشيعة بالتعددية وحكم الأغلبية وإدانة الفترة السابقة من الخبرة العراقية، في حين ضرب الاحتلال الأمريكي على وتر النزعة الطائفية الشيعية وأكد لهم أن محصلة العملية السياسية العراقية ودوره في المرحلة القادمة هو إعادة صوغ المجال السياسي العراقي بما يكفل حكم الأغلبية (= الشيعة)، الأمر الذي تقاطع مع المصالح الإيرانية، فاستخدمت طهران شيعة العراق كورقة سياسية في المفاوضات والصفقات مع واشنطن، ولم يكن الشيعة ليقبلوا بذلك لو كان هناك ثقة حقيقية بالمحيط العربي، ولكن الإدراك السياسي الشيعي العراقي بات يقوم على اعتبار إيران –لا غيرها- حامية مصالح الشيعة في العراق، وطموحهم السياسي اليوم أن العملية السياسية ستعيدهم لحكم العراق والاعتراف بكامل حقوق المواطنة والحريات الدينية والسياسية وحقهم في المشاركة السياسية وتحديد الخيارات السياسية والثقافية للحكم الجديد، وشتان بين هذا الطموح وبين الحالة الشيعية تحت حكم البعث.


      أمّا الأكراد فحالتهم أسوأ من الشيعة، وهناك تقارير دولية عديدة، أبرزها تقرير مجموعة الأزمات الدولية الذي يؤكد تزايد نزعة عداء العرب عند الأكراد، إلى الدرجة التي باتت تحارب فيها كل مظاهر التعريب في المناطق الكردية، وتصل بعض التقارير إلى التحذير من احتمالات التطهير العرقي ضد العرب في المناطق الكردية الغنية بالثروات الطبيعية. وقد وصلت الفجوة بين الأكراد والعرب إلى حالة وجود علاقات متينة بين القيادات السياسية الكردية وإسرائيل، وتكشف المعلومات الأخيرة عن نشاط جاسوسي وأمني إسرائيلي كبير في المناطق الكردية، وإلى مشاركة "البشمرجة" في عملية اجتياح الفلوجة!!. ولولا الضغوط الخارجية والحسابات الأمريكية تجاه الحليف التركي فإن الأكراد لديهم توجه واضح بالاستقلال عن العراق وإقامة دولتهم الكردية والتي أصبحت حلما تاريخيا.
      في مقابل الحماية الأمريكية، والدعم الصهيوني، للأكراد، ماذا كان موقفنا نحن العرب؟ من "مذابح حلبجة" ومما سمي بمعركة الأنفال؟ ومن محاولات تذويب الهوية الكردية وتشتيت الأكراد؟.. الجواب هو: "الصمت". بينماالحكم الذاتي الذي تمتع به الأكراد جاء تحت حماية الحراب الأمريكية، وكل ذلك انعكس على الإدراك السياسي الكردي للمستقبل ولحدود العلاقة مع العرب ومع الدول المحيطة.
  
       لقد جرى الترويج الإعلامي الغربي والأمريكي في بدايات الاحتلال لتحميل السنة تركة "الحقبة الصدامية" على الرغم أن السنة بالفعل كانوا ضحية مثلهم مثل الطوائف الأخرى، وكانوا يعانون ذات المعاناة السياسية والثقافية، وإن كان النظام البعثي قد اعتمد عليهم في البيروقراطية في الدولة والجيش، ولكن الأمر لم ينطلق من خيار الطائفة السنية بالسيطرة على العراق والهيمنة على الموارد والقيم وإرادة الإجحاف بحق الطوائف الأخرى، إذ لم يكن العراق –في الحقيقة- تحت حكم السنة، وإنما تحت حكم طبقة من المستبدين والفاسدين والوصوليين ونظام بوليسي قمعي يعتمد على صلة العشيرة (المافيا التكريتية) والمصالح الشخصية والجهوية، أما الدعاية الأمريكية فقد كان الهدف منها استلاب مشاعر الشيعة والأكراد لتسهيل سقوط النظام البعثي.
  
        المحددات السابقة للمشهد العراقي تفسر –ولا تبرر- أسباب ودوافع الشيعة والأكراد من المقاومة العراقية، والتي اتخذت طابعا سنيا ( بعد إجهاض مشروع الصدر داخل البيت الشيعي) والمشكلة الكبرى التي تعترض طريق المقاومة، ليست مع الاحتلال الأمريكي، والذي بات الخروج من العراق مع حفظ ماء الوجه هدفه الكبير؛ في الحقيقة إن مشكلة المقاومة العراقية هي مع الطوائف الأخرى "شركاء الوطن"، وأشرح ذلك بدلالتين؛ الأولى وهي افتراض أن القوى السياسية الشيعية قررت الدخول في المقاومة المسلحة ومواجهة الاحتلال (وهذا هو مصدر الرعب الأمريكي، والسبب في خضوع الأمريكان لأراء السيستاني) فماذا سيكون مصير الجيش الأمريكي؟ سيكون جحيما حقيقيا، يجعل من فيتنام "مزحة" صغيرة لا تذكر مع الحالة العراقية. والثانية لو فرضنا جدلا أن المقاومة السنية استطاعت دفع الأمريكان للخروج من العراق والانسحاب –بأي صيغة كانت- ماذا نتوقع؟ فتنة طائفية وحرب أهلية في ضوء تزايد النزعات المتضاربة وغياب الجماعة الوطنية التي تضم الفئات المختلفة. ويعزز هذه الملحوظة  ذلك الخطاب السياسي الصادر عن بعض منظمات المقاومة العراقية وبالتحديد جماعة الزرقاوي "خطاب عداء الشيعة" المستغرق في تعزيز بذور الصراع والفتنة الأهلية، وتحولت المقاومة وكأنها صدى لخطابات عدمية لا تخدم سوى الاحتلال، وتزيد من هواجس الطوائف والجماعات الأخرى، وحتى العلمانيين والمسيحيين العرب.
      
      في مقابل ذلك فتحت الانتخابات المجال لأول مرة للعراقيين للتعبير عن أرائهم والقيام بالممارسة الانتخابية، ومهما كان التدخل الأمريكي أو المحددات فلن تكون كالانتخابات المذلة السابقة في حقبة صدام، أو الانتخابات الهزيلة التي ما زالت تجري في دول الجوار!!، الانتخابات في العراق (+فلسطين) في ظل الاحتلال: "نعم"؛ ولكن أنعم وأكرم بالانتخابات العربية وبالحريات والديمقراطية التي يتنعم بها العرب الآخرون!!، أليست هذه مفارقة ينظر لها العراقيون (وربما العرب) المؤيدون للانتخابات والعملية السياسية في العراق، حتى لو كانت تحت الاحتلال؟!.


       الانتخابات العراقية نجحت بالفعل، شئنا أم أبينا، والاحتلال الأمريكي في طريقه للخروج آجلا أم عاجلا، والمشكلة ليست مع الاحتلال ولكن مع "الشقيق في الوطن"!!. أما المقاومة العراقية المسلحة، إن لم يواكبها خطاب سياسي رشيد يتجاوز رؤية الزرقاوي وجماعته، ويتفهم الحقبة السابقة ومآلاتها وتوجسات وتطلعات الطوائف الأخرى، لن تؤدي إلى التحرر بل إلى حرب أهلية، فهل نقف لنتطلع إلى مستقبل العراق بعيون الشراكة الوطنية والدينية؟، فالأولوية لدى السنة اليوم في الجانب السياسي مع اعتزازنا بالمقاومة المسلحة الوطنية الراشدة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هل من خورجٍ إلى سبيل؟ (حسين الشقيرات)

    الخميس 26 كانون الثاني / يناير 2006.
    يقول الحق في محكم آياته حٍكماً كثيرة..لذلك سمي القرآن بكتاب الحكمة...ومن منا من لم يقرأ؟؟؟...لكن من منا من أحكم عقله وتدبّر؟؟..من منا من اعتبر مما قرآ؟
    أسئلة حائرة..وحروف تتدافع نحو صدى صوت...صدق فيه قول الشاعر محمود الدليمي بقصيدته بعنوان"طلل"
    وبات عُجاباً أن يُعمِّرَ مُخلصٌ---ولو أن آجال النفوس كتاب!
    شكراً على الكلمات..وشكراً لحسن الاستماع..من يعتبر؟