أيدولوجيا النهضة في الخطاب العربي المعاصر

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    أضحى سؤال النهضة هاجسا يشغل بال الكثير من المثقفين والمفكرين العرب، لكن طموح أيديولوجيا النهضة الجديدة أصغر وأقصر بكثير، فهي تهدف إلى زيادة عدد المثقفين المؤمنين بها، وإقناع أهل السلطة العربية المقتنعين بأطروحتها كي تستطيع أن تحقق حلمها في بناء مجتمع نهضوي حضاري جديد.

 

    ومن البديهي القول إن الكلام الكثير عن النهضة لا ينتج نهضة بالضرورة، ولذلك يعتقد رضوان زيادة مؤلف كتاب "أيدولوجيا النهضة" الكاتب أن المطلوب ليس إعطاء نوع جديد من المخدر نسميه النهضة، ذلك أن المجتمعات العربية أصبحت تدرك عن يقين أن ما تعيشه يتعدى الخراب وأن ما تطمح إليه ليس نهضة جديدة وإنما مجرد وقف للخراب الذي لا يكاد يعرف قاعا يصل إليه.

 

     ويستدعي الاجتماع السياسي العربي الراهن إعادة النظر في أسسه البنيوية المبني عليها، فيلاحظ رضوان زيادة أن النظام السياسي تحول إلى شيء أشبه بالسلطة المحتكرة، لكل المجالات الحيوية في المجتمع وتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع حتى انتهت السلطة إلى عدوة المجتمع تتورط في عمليات المذابح والقتل العشوائي التي تقودها ضد المدنيين من مواطنيها. 

 

     إن النظام السياسي العربي يبدو أنه غير عابئ بمفهوم الشرعية الذي ينبني عليه وجوده، إذ إن شرعيته غالبا ما يحققها من خلال العنف والأمن، وهكذا أصبحنا في سؤال متكرر عن المخرج العربي من الأزمة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا بعد أن أرهقنا السؤال المتكرر الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه.

 

     فالقراءة البانورامية للعالم العربي تبرز بوضوح نهايات هذا العالم في القرن الحادي و العشرين، فالجزائر والعراق كانتا مرشحتين للوصول إلى مصاف الدول الأوروبية حسب تقرير الأمم المتحدة في منتصف السبعينات بسبب قدراتهما الذاتية الضخمة و إمكانياتهما البشرية، انتهتا الآن إلى شبه حرب أهلية، مما أعادهما إلى ما تحت الصفر، وهو ما حفز الولايات المتحدة بشكل رئيسي لاحتلال العراق، وتبددت بعيدا أحلام التنمية وأوهام التقدم، والجزائر أصبحت عرضة للفساد، والنزاع الأهلي أخذ شكله السافر في تورط الدولة في عمليات القتل في صراعها مع الجماعات الإسلامية المسلحة كما ثبت ذلك في أكثر من كتاب.

 

     وتبقى الحرب الأهلية المآل الكامن في المستقبل، فالأوضاع السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلدان العربية تؤهلها يوميا للدخول في حرب أهلية ينتظرها الجميع على خوف ووجل.

 

    لكن رغم ذلك يبقى التحليل السياسي الاجتماعي الأكثر إقناعا بقدرته على قراءة أزمة المجتمع العربي بالرغم من تركيزه الشديد على قراءة ذلك وفق الإطار التاريخي، في حين تبدو المناهج الأخرى الفكرية والاقتصادية والتربوية عاجزة عن تفسير التحولات الاجتماعية حيث غالبا ما تقرأها وفق نماذج ثابتة وبنيوية، فالأزمة المجتمعية والسياسية التي يعيشها العالم العربي تمتلك بلا شك ظلالا تربوية وفكرية وثقافية لكنها لا تعدو أن تكون لاحقة بالأزمة الرئيسية وتابعة لها، ولم تكن في حال من الأحوال سببا في حدوثها أو ترسيخها.

 

المجال الزمني للمشروع النهضوي العربي

 

    تبنى مركز دراسات الوحدة العربية إجراء دراسة شاملة تهدف إلى تحديد الخطوط العامة للشكل والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوطن العربي مع مطلع القرن الحادي و العشرين وذلك على أساس مسارات بديلة تحددها مشاهد بديلة للعمل العربي المشترك.

 

وينطلق المشروع من الفكر النهضوي العربي وهو يعتبر أن الفكر العربي يمثل الانطلاقة النهضوية للمستقبل العربي الذي يقوم على ثلاثة مشاهد مستقبلية انطلاقا من شكل العلاقة بين الأقطار العربية وهو المعيار الوحيد الذي يعتمده المشروع: المشهد الأول هو مشهد التجزئة وهو ينطلق من افتراض استمرار الأوضاع الراهنة لجهة التجزئة والتبعية للخارج والتعثر في تحقيق التنمية والسماح لإسرائيل بالمزيد من التوسع الإقليمي وفرض هيمنتها السياسية على المنطقة، أما المشهد الثاني فهو مشهد التنسيق والتعاون وينطلق من منطلق الترشيد والاستخدام الأمثل للموارد العربية المتاحة في إطار المعطيات السياسية الراهنة. ويعبر هذا المشهد عن أشكال وسيطة من التنسيق والتعاون بين كل أو أغلب أقطار الوطن العربي ويطلق المشروع على هذا المسار اسم المشهد الإصلاحي، أما المشهد الثالث فهو مشهد الوحدة العربية الذي يمثل المسار التحويلي أو التغيير الجذري وجوهره توحيد مركز صنع القرار السياسي مع احترام التعدد الاجتماعي والثقافي القائم في الوطن العربي، وهو يمثل لب النهضة العربية وآمال المجتمعات العربية كافة.

 

في مفهوم النهضة والخطاب العربي:

 

    يرى رضوان زيادة أنه هناك اضطراب مفاهيمي في تحديد النهضة ومقوماتها، ويعود في معظمه إلى غلبة الأيديولوجيا على المعرفة بغية تصنيف التاريخ وفق رغباتها. فمكمن الخلل في الخطاب العربي عن النهضة ينبع من عدم تبلور مفهوم شامل للنهضة، وعدم التمييز بين خطوات سياسية أو اقتصادية تندرج في سياق عملية إصلاحية، وبين مسار عملية تنموية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية كافة، وتخلق تراكما على هذه الصعد كافة، إذ لا يعقل أن تحدث نهضة ثم تتوقف فجأة ثم يجيء زعيم ملهم لينجز نهضة ويقرر هو نفسه فجأة أن يوقفها. إن ذلك يعكس عدم الإدراك الكافي لسياق التحولات الدولية وموقع العرب فيها ودورهم وطبيعة تفاعلهم مع العالم، فالنهضة هي باختصار مسار عملية تنموية متكاملة، والتنمية هنا لا تعني المؤشرات البشرية والاقتصادية فحسب، وإنما تشمل التنمية الإنسانية التي تعرف ببساطة على أنها عملية توسيع الخيارات، وبما أن الإنسان هو محور تركيز جهود التنمية، فإنه ينبغي توجيه هذه الجهود لتوسيع نطاق خيارات كل إنسان في جميع ميادين سعي الإنسان.

 

    ومقياس التنمية الإنسانية هذا لا يتم إلا في إطار مقاربة شاملة تشمل حرية الإنسان و قدرات معرفته والإطار المؤسسي الذي يعمل ضمنه، وبهذا التعريف الشامل تصبح النهضة قرينة التنمية وشقيقتها، فلا تتحقق الأولى من دون إنجاز الثانية، والتنمية لا تتم إلا في إطار النهضة.

التعليق