ثقافة الصوص

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

ثقافة الصفي الامثال الشعبية حكم وعبر تتجاوز حدود بيئة كل مثل لتصل الى كل جوانب الحياة وتعقيداتها, ومنها المثل الشعبي (صوص الجاجة تعشيه خمس عشرة ليلة ولا يعشيك ليلة), ومعناه ان الصوص تقدم له عشاء وطعاماً طيلة نصف الشهر لكنه لا يكفيك لعشاء ليلة واحدة عندما تحتاجه, وبلغة رجال الاعمال والليبراليين الجدد والاقتصاد الحر فإن العلاقة بين رب الاسرة والصوص غير مربحة ومكلفة, والمنطق المباشر ان يتم رفع الدعم الرسمي المقدم لتغذية هذا الصوص؛ لكنّ لهذا المثل جانبا اخر، فبعض الفئات اشبه بهذا الصوص لا ترى الا حقوقها على الوطن, ولا تعتقد ان عليها إلا تلقي العشاء اليومي والدعم والمناصب والتكريم والتعيينات لها ولورثتها ذكوراً واناثاً, بل ويصل بها (الخيال الوطني!!) الى القناعة بأن وجودها في الموقع الوزاري واجب وتضحية تقدمها للاردن والاردنيين, وان وجود شخص سفيراً في دولة اوروبية او عربية لسنواتٍ، غربة ومشقة لا تقل عن مكانة العمليات الاستشهادية, وان على الوطن ان يكافئه على هذه الغربة متناسياً المال الذي جمعه بعشرات ومئات الالوف, وانه (زهّق) الحكومات قبل ان يصدر قرار تعيينه سفيراً او مديراً او وزيراً.

 

     وسياسة الحكومات على مدى العقود اوجدت (ثقافة الصوص) في فئات لم تعد ترى من واجبها الا تلقي العشاء اليومي, ولو تأخر العشاء يوماً لتحولت الى اصوات ناقمة وناقدة بل وخرجت من ثوبها المؤقت لتعود الى ثوبها الحقيقي, فهؤلاء لا يرون انفسهم الا من حملة الالقاب وراكبي السيارات الحكومية, وكم رأينا مسؤولين تقلدوا أعلى المناصب ثم اذا خرجوا منها تحولوا الى كتبة في صحف الداخل او الخارج ينتقدون الظلم الذي يلحق بفئات سياسية اجتماعية او حتى تحولوا الى منظرين لتغييرات في بنية الدولة والنظام تنسجم مع طروحات غربية او حتى اسرائيلية.

 

   (وثقافة الصوص) صنعت فئات تعتقد ان البلاد والعباد على حافة الزوال والدمار بمجرد خروجهم من مواقعهم, فالدنيا (خربانة) اذا هم غادروا مكاتب الدولة لكنها تعود مشرقة اذا عادوا اليها, وهذه الثقافة تجعل من احلام ومشكلات هؤلاء تختلف عن مشكلات الاردنيين, فالمواطن العادي يشغله ان يجد اقساط ابنه الجامعية او ثمن حذاء لابنه في المدرسة, او ان يجد ما يكمل به مصروف الشهر, لكن اولئك تتجاوز احلامهم ومشكلاتهم مشكلاتنا نحن عامة الناس, فالهم الاول ان يجعل من ابنه وزيراً او على الاقل مديراً او اميناً عاماً, او ان يؤمن له بعثة للدراسة في جامعات بريطانيا وامريكا لدراسة الدكتوراه, او ان يجعل منه سفيراً او مشروع سفير, وكم هو مدهش تواضع البعض ان يقول انه انفق على دراسة ابنه من ماله الخاص, وكأن المال العام قرار ببعثة دراسية وليس مالاً واعطيات وعيديات يحصل عليها البعض وتكفي لتدريس ابناء عشيرة كاملة في الجامعة وليس شخصاً واحداً.

 

   ومشكلة هذه الثقافة ليست في ايام الرخاء او في مقال او مقابلة في صحيفة, اوفي مجالس الصالونات بل في اوقات الشدة, فهذه الفئات التي تتربى على كل هذه الثقافة ليست مستعدة لان تدفع ثمنا حتى من ثمن السيجار الذي تدخنه وليس من دماء ابنائها, وفي مسار الدولة تجارب كثيرة لاشخاص مارسوا الاعتذار والدبلوماسية عند المحطات الصعبة, وفي الحد الادنى فإن بعض هؤلاء قادر على التنظير للدور الوطني بينما لا يملك الاستعداد لتشغيل فوائد امواله المكدسة في بنوك الخارج في مشروع داخل الاردن, بينما يرى دوره في تناول العشاء كل يوم ويرى في نفسه حلا لقضايا الناس وحاجات الوطن.

 

اما الصبر والتضحية والمعاناة فهي لعامة الناس الذين عليهم ان يتحملوا سياسات الاصلاح الاقتصادي, وان يشاهدوا قوائم التعيينات للكبار ولابنائهم؛ وعليهم ان يعتبروها حقاً لاولئك الكبار مقابل تضحياتهم في تولي المواقع الكبرى, ولا ندري لو ان احد هؤلاء فقد ابنه شهيداً في واجبات الجيش او الامن؛ فماذا سيطالب مقابل هذه التضحية؟ بينما نرى منهم من يعتقد ان تأخر الوظيفة العليا عن ابنه جحود من الدولة تجاهه. انها معادلات لا يتحمل هؤلاء مسؤولياتها بل سياسات حكومية متعاقبة, وامتيازات اعتبرها متلقوها تضحية يقدمونها, بينما على ابناء الشهداء والجنود المجهولين ان يكون طموحهم وظيفة ربما لا تتجاوز ايراداتها طوال العمر تكلفة دراسة احد ابناء (المسعدين) او تجديد بيت لسفير.

التعليق