الهوية والسياسة الخارجية في الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 1 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

    قلة تلك الكتب التي أعتمدت في تفسير السياسة الخارجية لدول العالم الثالث، بشكل عام، على أطر نظرية دون الأخذ بالاعتبار المفاهيم التحليلية المستمدة من المدرسة الواقعية التي هيمنت على العلاقات الدولية لمدة طويلة من الزمن، وبخاصة في اثناء الحرب الباردة. ومن هنا تكمن أهمية الكتاب المعروض في إنه انحرف عن هذا النهج السائد ووظف مفاهيم تحليلية تستند وتدور حول الهوية من أجل تفسير السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط.

 

    إعتمد هذا الكتاب في دراسة وتحليل السياسة الخارجية لدول الشرق الأوسط على المقاربة البنائية في العلاقات الدولية إذ وضع المحررون إطارا نظريا يستند على مفاهيم مستمدة من البنائية والتفريق بين الهوية والأيدولوجيا والعلاقة بين السياسة الخارجية والهوية. وقد اشتق منظرو العلاقات الدولية فكرة البنائية من علم الاجتماع والذي بدوره يفترض أن التراكيب الاجتماعية هي ممزوجة بالعناصر المادية والمعيارية والتي تشكل هوية ومصالح اللاعب.

 

    والهدف من هذا الكتاب هو فهم كيف أن الهوية الوطنية التي يتم اختيارها من قبل النظام السياسي تؤثر على السياسة الخارجية أو كيف تؤثر السياسية الخارجية على الهوية. ويتناول مارك لينش في الفصل الثاني المصالح والهوية الأردنية. ويبين مارك المعاني للهوية، وهوية الجماعات السياسية في الاردن، وأهمية المساحة العامة public sphere وتطورها في الاردن، والتغير في الهوية الأردنية. وببساطة تشكل الهوية أساس مدركات التهديد والفرص والمصالح. فحالما تتحدد هذه الهوية فسيتابع اللاعبون في المجتمع مصالحهم الخاصة تبعا لذلك. وهوية الجماعات السياسية في الأردن، كما يبين مارك لينش، هي الوطنيون الأردنيون، والوطنيون الفلسطينيون، والليبراليون، والإسلاميون، والقوميون والهاشميون  وكل هذه الجماعات تتصارع وتتنافس لتشكيل الهوية الوطنية وما يتناسب مع مصالحها. وحتى العوامل الخارجية تحاول التأثير على الهوية الأردنية، فعلى سبيل المثال، تقوم إسرائيل بإدعاء أن الأردن هو فلسطين وأن الأردن هو حليف ضمني لإسرائيل. ويجادل لينش أن العلاقة بين الهوية والمصالح هي راسخة في المساحة العامة. فيوفر وجود مساحة عامة مفتوحة (وسائل الإعلام) فرصة النقاش العام والذي بدوره قد يحدث تغيرات في المصالح والهوية. وقد خضع تطور المساحة العامة في الأردن الى مد وجزر.  وامتد من سيطرة الدولة بعد الإنقلاب الفاشل عام 1957، ووجود قانون الأحكام العرفية بعد حرب عام 1967، وبخاصة القمع الشديد في الثمانينيات، واللبرلة في عام 1989، وإعادة السيطرة على الأمور بعد معاهدة 1994.

 

    وفي كل هذه المدة عانى الأردن من التناقض بين متطلبات الهوية (اسرائيل دولة عدو) والمصلحة (اسرائيل شريك). تاريخيا لا يمكن القول أن الأردن تتبنى وجهة النظر العربية  بأن اسرائيل هي دولة عدو (خلافا لرأي الجمهور الأردني) وعلى العكس من ذلك أبدى الأردن رغبة وحماسا لتطوير العلاقة الاستراتيجية مع اسرائيل وساهم في لعبة التوازنات فيما يتعلق بالمصالح والفرص.

 

     كتب مايكل بارنت الفصل الثاني عن الهوية الاسرائيلية وعملية السلام. وقد تفحص بارنت الهويات الاسرائيلية المختلفة ومكونات كل واحدة منها وعلاقة ذلك بعملية السلام. ومن الواضح بأن عند اسرائيل أزمة في الهوية بسبب التنوع والتعدد الثقافي لمجتمع اسرائيل. إلا أن ما يربط بين هذه الهويات هو الإيمان بوجود هوية مشتركة ومصير واحد فيما يتعلق بالمشروع الوطني الاسرائيلي. والهويات الموجودة والتي تعكس تعددية ثقافية هي: العلمانيون، والوسط، والمتدينون، والتنقيحيون، واليساريون. الا ان الهوية العريضة تعتمد على أربعة مكونات هي: المحرقة، الدين، الليبرالية، والوطنية. ويتعرض بارنت الى تشكل الهويات الاسرائيلية المتعددة الا ان المثير هو ربط ذلك بالعملية السلمية. ويقول محقا بان الطريق الى عملية السلام ليس فقط حول الاراضي وانما حول مسألة الهوية. وهناك أربع قضايا متعلقة بالهوية وهي أساسية لعملية السلام. أولا: التجانس الثقافي والحضاري، ثانيا أثر العامل الخارجي على تشكيل السياسة الخارجية لدولة اسرائيل (حماس والولايات المتحدة مثلا)، وثالثا،  قدرة الحكومة الاسرائيلية على تسويق اطار امني ناتج عن عملية السلام، وأخيرا التغيرات الكونية والتي تسمح لإحداث تغيرات كبيرة  في السياسة الخارجية. وبناء على ذلك فانه يمكن القول أن خطة شارون الأخيرة بشأن الإنفصال عن الفلسطينيين هي بسبب الرغبة في الحفاظ على هوية الدولة وطابعها اليهودي من خطر ثنائية القومية.

 

    أما سوزان مالوني فقد ناقشت في الفصل الثالث الهوية والتغير في سياسة إيران الخارجية. إذ ناقشت ما يرتبط بالهوية الايرانية إذ تناولت ثلاثة مكونات في الهوية الوطنية الايرانية، والسياسة الخارجية الايرانية الحالية ومستقبل الهوية في ايران. فالرواية الايرانية تختلف عن أغلب بقية دول الشرق الاوسط إذ تتمحور حول وجود تركة ما يسمى ايران المتكاملة منذ أكثر من 2500 سنة، وحدود مستقرة منذ 500 عام ونسبيا وجود ثقافة سياسية واحدة وتقاليد دينية. وهناك ثلاث هويات سياسية رئيسية في إيران: الوطنية، الاسلام، ومعاداة الامبريالية والتي يتم استحضارها كلما دعت الحاجة لذلك. فالوطنية الفارسية تستند الى أن ايران تدعي بوجود تاريخ ومستقبل كإحدى الحضارات العظيمة وكقوة إقليمية رئيسية. أما الاسلام فقد أصبح الايمان السائد والذي هو عالمي وبالتالي يخلق تنازعا مع القومية الفارسية. أما معاداة الامبريالية فقد أصبح مبدأ ثابتا للحكومات الايرانية المتعاقبة. فإيران الشيعية غير العربية ترى نفسها كحالة فريدة في الأقليم مما أوجد احساسا بالوهن من ناحية وإحساسا بالفخر من ناحية أخرى. والسياسة الخارجية الايرانية الحالية هي نتيجة الجروح العميقة من الحرب مع العراق، والاحساس الشديد بالعزلة والضعف.

 

    والفصل الرابع، والذي كتبه أديب داويشه، الذي يعالج قضية العراق. ويبين كيف أخفقت الحكومات العراقية المتتالية رغم الجهود الحثيثة في خلق هوية وطنية واحدة للعراق. فالاكراد الذين يمثلون ما يقارب من 20% من السكان تكون لديهم إحساس عال بالهوية الكردية كهوية وطنية. أما الأكثرية الشيعية التي تراكم لديها احساس بالتهميش والانعزال فقد سأمت حكم السنة. وبسبب ضعف الهوية العراقية فقد أصبحت الهوية العربية هي الهوية الرئيسية للسياسة الخارجية العراقية. ففي خلال الحرب مع إيران رسم صدام حسين فرقا واضحا بين الهوية العربية للعراقيين والايرانيين.

 

    يتناول الفصل الخامس تطور الهوية السياسية السورية. إذ يبين كيف خطا السوريون باتجاه بناء هوية فيها الكثير من الاحساس بالوطنية السورية. ففي السبعينيات من القرن الماضي، شهدت سوريا ذروة القومية العربية وكذلك تراجعها السريع. وبينما كان الاسلام يتصاعد في الاقليم بشكل عام فإن سوريا هزمت الحركات الاسلامية.  وقد أدت الازمة الاقتصادية في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي الى التخلي عن الاشتراكية تدريجيا والميل نحو الرأسمالية كحل وحيد للأزمة الاقتصادية مما اثر على الطريق التي ينظر فيها السوريون لأنفسهم. وقد أدت العوامل الخارجية دورا في تشكيل الهوية السورية. وقد شكلت اسرائيل الآخر الذي عرف السوريون أنفسهم بالنسبة له. وبنفس المستوى لعب اللبنانيون دورا في تشكل الهوية السورية. فاللبنانيون لا ينظرون باحترام للسوريين بينما يرى السوريون أنه لا فرق بين بيروت ودمشق. ومع ذلك فقد بقيت العروبة هي الايديولوجية الرسمية لنظام البعث السوري.

 

     أما ابراهيم كروان فيتناول في فصل آخر الهوية والسياسة الخارجية لمصر. ويناقش التغيرات التي طرأت في عهد ناصر والسادات ومبارك. وباختصار فان مصر هي بلد له تجانس عرقي وثقافي مع وجود عدد من الهويات السياسية والتي تتراوح من القومية العربية الى الاسلام الى المتوسطية الخ. وقد جعل ناصر والضباط الأحرار من القومية العربية كهوية مطلقة وتم معاقبة أي شيء آخر. وقد اخترق عبد الناصر النظام التعليمي في مصر من أجل جعل القومية العربية الهوية الوحيدة دون توفر خيار آخر. وقد غير السادات ومبارك الكثير من ذلك. ويمكن القول أن كل من مبارك والسادات قد تلاعبوا بالرموز الوطنية والقيم المشتركة وسمحوا بتطاول القطاع العام من أجل السماح بجدل وطني حول مسائل متعلقة بالهوية من أجل التماشي مع اهداف السياسة الخارجية المصرية. بمعنى آخر، فإن كل القادة إختاروا الهويات الوطنية المناسبة لتحقيق أهدافهم في السياسة الخارجية وقد حاولا أيضا خلق هويات تتناسب وتحقيق هذه الأهداف.

    أما ستيفن سايدمان فقد تناول في الفصل الاخير والختامي القضايا النظرية للهوية والسياسة الخارجية. وبإختصار فان سايدمان يقول أن الهويات الموجودة داخل دول الشرق الاوسط هي متشابهة الا ان القادة يختارون الهويات التي تناسبهم من هذه القائمة من أجل تسهيل تحقيق أجندتهم الخاصة. ويبدو أن هناك اجماع بين مؤلفي الكتاب على عدد من القضايا:

 

1) يقوم القادة بالتأكيد عل هوية محددة من قائمة مفتوحة والى حد ما متشابهة مع الكل 

 

2) لا توجد قوى وحيدة لتحديد الهوية وانما مجموعة من اللاعبين مثل القائد والاعتبارات الداخلية والصراعات الداخلية حول هذا الموضوع

 

3) تؤثر الهويات على السياسة الخارجية لكن لا يوجد اجماع على مدى ذلك. ويقدم سايدمان ثلاثة أجوبة على ذلك: أولا: تستخدم الهوية كأداة لتعبئة الناس وحشد التأييد. ثانيا: تستخدم بعض الانظمة الهوية من اجل زعزعة أنظمة الحكم في دول اخرى. ثالثا:  تستخدم الهوية لتحديد المصالح والأخطار وبالتالي لرسم سياسة خارجية.

 

    بقي أن نقول أن الكتاب يقدم إطارا ابستمولوجيا مختلفا عن الأطر الأخرى المعروفة والمتداولة بين المختصين والباحثين. وبالرغم من أن الجدل بين المدارس المختلفة قد اقتصر الى حد كبير على الجدل بين الواقعية الجديدة والليبرالية فانني أرى أن تؤخذ المقاربة البنائية التي اعتمدها الكتاب محمل الجد وذلك للإمكانات الهائلة لهذا المنهج المعرفي من الإجابة على الكثير من التساؤلات التي أخفقت المدراس الأخرى في معالجتها أو الاقتراب منها.

التعليق