الموازنة العامة والاستحقاقات الدستورية

تم نشره في الاثنين 31 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

 


     كانت الحكومة قد قدمت لمجلس الأمة ( مجلسي النواب والأعيان ) مشروع قانون موازنتها لعام 2005 بتاريخ  22/12/2004 ،لمناقشتها وإقرارها ثم رفعها للملك للموافقة عليها بارادة ملكية، ومنذ ذلك الوقت لا يزال مشروع قانون الموازنة يراوح في عهدة مجلس النواب . 

 
      ونظرا لأهمية قانون الموازنة فقد أفرد الدستور لها عددا من مواده ، كما أوضح الآلية التي  يمرر بها هذا القانون ، منذ قيام الحكومة بتسليمها إلى مجلس الامة كمشروع قانون ، والزمن الذي يستوجب التسليم به ، وكيفية الاقتراع على فصولها، وحدود صلاحيات مجلس الامة بالتغير والتعديل المقيدة أثناء مناقشته لها، على العكس من باقي القوانين التي أشار اليها الدستورعلى وجه العموم، حيث نصت الفقرة الاولى من المادة 112 من الدستور على أن (يقدم مشروع قانون الموازنة العامة الى مجلس الامة قبل ابتداء السنة المالية بشهر واحد على الاقل للنظر فيه وفق أحكام الدستور) ، والهدف من ذلك توفير متسع من الوقت لاستلام مشروع قانونها ومناقشته من مجلسي النواب والأعيان وإقرارها قبل بدء العام المالي الجديد . 


       ويفهم ضمنا من نصوص الدستور افتراض اقرار قانون الموازنة قبل ابتداء السنة المالية الجديدة ، حيث أباح الدستور وعلى نحو اشتثنائي في المادة 113 منه حينما لا يتيسر اقرار قانون الموازنة العامة قبل ابتداء السنة المالية الجديدة ، استمرار الإنفاق بموجب اعتمادات مالية شهرية بنسبة 1/12 لكل شهر من الموازنة السابقة ، وهو ما يؤكد أن واجب كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية هو العمل على إقرار الموازنة قبل بدء العام الجديد ، أما غير ذلك فيشكل الاستثناء غير المفضل العمل به.


      لذلك ، ومن اجل أن يكون انفاق الحكومة لعام 2005 قانونيا متماشيا مع القاعدة الدستورية وليس مع الاستثناء الدستوري ، كان حريا بالحكومة أن تقدم مشروع قانون الموازنة في أواخر شهر تشرين الثاني وليس في أواخر شهر كانون الأول أي في 22/12/2004 ، ولما كانت الحكومة قد خالفت الدستور في هذا المجال ، كان من الجدير بمجلس النواب أن لا يكرر الخطأ نفسه الذي وقعت به الحكومة ، فيدع مشروع قانون الموازنة يقبع بين يديه فترة طويلة تمتد من 22/12/2004 وحتى يومنا هذا ،أي ما يزيد على 40 يوما قبل أن يشرع بمناقشتها واقرارها ومن ثم تمريرها لمجلس الاعيان لمناقشتها واقرارها وما يستغرقه ذلك من وقت اضافي قد يجعل بقاءها في عهدة مجلس الامة يمتد لأكثر من خمسين يوما ، وكل هذا التأخير متوقعا من مجلس كثر تغيب نوابه عن حضور جلساته ، إلى حد فقدان النصاب القانوني للجلسات ، في ظل المهام الجسيمة التي ينبغي على مجلس النواب الإضطلاع بها نزولا عند ثقة الشعب التي منحوه إياها ، وإنسجاما مع التكاليف والامتيازات المالية الضخمة المترتبة على عمل مجلس الامة ، والتي يتحملها المال العام ، حيث ينبغي ان تتوافق كفاءة مجلس الأمة معها.  


     ومن المخالفات الدستورية الاخرى في المجال المالي ، هي مخالفة ثنائية الابعاد ، تتعلق بمخالفة الدستور أولا ، ومخالفة قانون الموازنة لعام 2004 ، أما مخالفة الدستور فتتمثل بخروج مجلس النواب عما حدده إليه بموجب الدستور من مهام ، فبينما أناط الدستور السلطة التشريعة والرقابية بمجلس الامة والملك ، فقد أناط السلطة التنفيذية بالملك ويمارسها بواسطة الوزراء ، حيث أصبح مجلس النواب يمارس بعضا من مهام السلطة التنفيذية ، وهي استلام النواب لمبالغ نقدية من المال العام ، تختلف من نائب الى نائب ، فمنهم من يستلم عشرات الالاف من الدنانير في المرة الواحدة ، وبعضهم يستلم ما يزيد على المائة الف دينار ، ليتولوا توزيعها على الفقراء ، ومع إدراكنا لوجود عدد كبير من أعضاء مجلس النواب، ممن يتمتعون بدرجة عالية من المصداقية والنزاهة والأمانة في التعامل مع هذه المهمة والتعامل مع المال العام ، لكن هذا لا يضمن مطلقا أن كامل اعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 110 أعضاء .


 لذلك يثير قيام اعضاء مجلس النواب بمهمة ليست من اختصاصهم التشريعي والرقابي الكثير من الشكوك والشبهات حول سلامة انجاز هذه المهمة على الوجه الصحيح ، أو من حيث إساءة بعض النواب استخدامها بتوزيعها لغايات تصب في مصلحتهم الانتخابية المستقبلية وعلى حساب المال العام، في الوقت الذي تستطيع السلطة التنفيذية القيام بهذه المهمة على نحو أكثر حيادية وموضوعية وعدلا ، من خلال أجهزة مختصة بهذا الشأن ، كوزارة التنمية الاجتماعية وصندوق المعونة الوطنية، اللتين لديهما مراكز منتشرة في جميع انحاء المملكة، ولديهما ما يكفي من الباحثين والباحثات والمختصين في الشأن الاجتماعي، لتحديد من هم فقراء يستحقون الحصول على تلك المساعدات ، لتصرف لهم على أسس سليمة وموضوعية ، قابلة للتدقيق والمراجعة والتقييم، وتتم بشفافية أعلى واكثر وضوحا وبموجب وثائق وكشوف رسمية واضحة المعالم ، وتحت رقابة ديوان المحاسبة ، وقابلة لمساءلة أي موظف قد ينتج عن عمله أخطاء في هذا الجانب ، حتى لو اكتشفت الاخطاء في وقت متأخر، على النقيض من صعوبة تنفيذ هذه المعايير حينما توزيع هذه المبالغ بواسطة النواب ، الذين يفترض أن يتفرغوا للجانب التشريعي والرقابي ، خصوصا في ظل تواجد ما يزيد عن مائتي قانون مؤقت لدى الحكومة تشكل صلب عمل مجلس النواب في الجانب التشريعي ، بدلا من اشغال المجلس لنفسه بما هو ليس من اختصاصه وبما يثير الشبهات حول كفاءته وأدائه .
     أما البعد الثاني من هذه المخالفة المزدوجة، فهو قيام أعضاء مجلس النواب بهذه المهمة خلافا لنص الدستور في مادته (115) التي جاء بها: ( ...لا يخصص أي جزء من أموال الخزانة العامة ولا ينفق لأي غرض مهما كان نوعه إلا بقانون ) فهل تضمن قانون الموازنة لعام 2004 مبالغ مالية مخصصة لتوزيعها من قبل أعضاء مجلس النواب على الفقراء بدلا من السلطة التنفيذية ؟! من المؤكد ان الجواب كلا .


واخيرا ، فمن المستغرب في ظل الشعار الكبير المرفوع حول دولة القانون والمؤسسات ، ان ترتكب الحكومة ومجلس النواب هذه التجاوزات الدستورية ، بينما توزع الحكومة اتهاماتها على الغير بتجاوز القانون .    

التعليق