النقابات المهنية والدستور

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

لم يتوقف الجدل والتفاعل السياسي والإعلامي حول قضية النقابات المهنية منذ استئناف الحياة السياسية عام 1989، وقد توزعت الآراء، فهناك المهنيون المنتسبون إليها الذين أبرزوا إيجابيات نشاطاتها وضرورته، وهناك آخرون أشاروا إلى سلبياتها وعيوبها وضرورة معالجتها.

 

وهناك أيضاً من المهتمين في الشأن العام من يذكر فضائلها مثلما يعيب آخرون عليها الهيمنة السياسية على دورها ونشاطها.

 

وهناك أيضاً ومن رجال القانون والفقه الدستوري من ذكر أن قيامها لا يتفق وأحكام الدستور.

 

أعتقد بصفتي مواطنا أولا وبحكم تجربتي في اللجنة القانونية لمجلس الأعيان بين عامي 1989 - 2001 أن إنشاء النقابات المهنية مخالف للدستور، فالدستور نص صراحة على جواز إنشاء نقابة للعمال وحدها.

والدستور الأردني يختلف عن الدساتير الأخرى، المصرية والسورية مثلاً التي أجازت صراحة إنشاء النقابات المختلفة، بخاصة أن لدينا قانونا عصريا للأحزاب يستطيع من يهتم بممارسة العمل السياسي أن ينضم إليها، ويوجد اليوم حوالي ثلاثين حزباً سياسياً قائماً مرخصاً تمثل الطيف السياسي كله، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

 

وقد نص الدستور الأردني (في المادة 23) على:

1- "العمل حق لجميع المواطنين، وعلى الدولة أن توفره للأردنيين بتوجيه الاقتصاد الوطني والنهوض به".

2- تحمي الدولة العمل وتضع له تشريعاً يقوم على المبادئ التالية:

أ- إعطاء العامل أجراً.

ب- تحديد ساعات العمل الأسبوعية

جـ- تقرير تعويض خاص للعمال

د- تعيين الشروط الخاصة بعمل النساء والأحداث.

هـ- خضوع المعامل للقواعد الصحية.

و- تنظيم نقابي حر ضمن حدود النقابات

هذه هي المادة الوحيدة في دستورنا التي تعرضت للعمل النقابي، وقد جاءت كما هو واضح في معرض الإشارة إلى العمل والعمال وليس المهنة والمهنيين.

 

ومن هنا فإن ما يفهم من هذا النص هو جواز قيام نقابات عمالية ضمن حدود القانون، ولم يرد نصٌّ على جواز قيام نقابات مهنية على نحو ما نص عليه صراحة بالنسبة للنقابات العمالية. لكنه وقد أغفل ذكرها فإنه يكون قد استبعد جواز قيامها، وينبني على ذلك مخالفة قوانين النقابات المهنية لأحكام الدستور مما يتوجب معه تغلب حكم الدستور على أي قانون آخر.

قد يقال إن جمهورية مصر العربية ومثلها الجمهورية العربية السورية قد أسست النقابات المهنية بموجب قوانين ولم يسبق لأحد من رجال القانون أن نص عليها لعدم دستوريتها.

 

ولكن الدستور الأردني يختلف النص فيه عن النصوص الواردة في تلك الدساتير التي أجازت تشكيل النقابات. كما أن هناك دولاً أخرى ومنها الولايات المتحدة الأمريكية يمارس فيها المهنيون مهنهم باعتبارها جمعيات وليس نقابات.

 

وقد تقدمتُ مع مجموعة من الأعيان عام 1997 بطلب لدراسة مطابقة قوانين النقابات المهنية مع الدستور، ووقع على الطلب 23 عضوا في مجلس الأعيان من بين أربعين عضوا، فقد كان أعضاء المجلس أربعين عضوا، وهذا هو نص المذكرة:

دولة الرئيس

الزملاء الأفاضل

بعد دراسة أوضاع النقابات المختلفة في ضوء قوانينها، وبعد التداول في الممارسات العملية لها ومدى تحقيق المصلحة المهنية لأعضائها والارتفاع بمستوى مهنة كل منها.

 

وفي ظل المناخ الديموقراطي المنفتح، والذي يتيح للجميع الانضمام إلى الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة الأردنية والتي تمثل كل ألوان الطيف السياسي.

 

وحتى لا تختلط الأمور، وحتى نلتزم جميعاً بأحكام الدستور، ونسير على هديه وإرشاده، ولكي نضع حداً نهائياً للنقاش الدائر ومنذ زمن طويل حول الوضع الدستوري لوجود النقابات المختلفة دستورياً، فقد رأينا نحن الموقعين أدناه، ونحن جناح من أجنحة السلطة التشريعية ومن موقف محايد ضرورة حسم هذا الموضوع حسماً نهائياً حتى يعرف كل طرف من أطراف النـزاع (الحكومة والنقابات) حكم الدستور للعمل بمقتضاه.

وإدراكاً منا أن المصلحة العامة للدولة وللمواطنين وأعضاء جميع النقابات تقتضي ضرورة توضيح هذا الأمر المهم في ضوء أحكام الدستور الذي يتمتع  بالعلو والسمو.

 

وعليه، فإننا نقترح على المجلس الكريم أن يوافق على توجيه سؤال إلى المجلس العالي الموقر لتفسير الدستور استناداً إلى المادة (122) من الدستور، إذا كانت قوانين النقابات المهنية السارية المفعول متفقة مع أحكام الدستور أو مخالفة له.

 

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

 

بالاستناد إلى المادة (32) من النظام الداخلي لمجلس الأعيان نتقدم بالاقتراح التالي :

اقتراح مقدم من مجموعة من أعضاء مجلس الأعيان لتوجيه سؤال إلى المجلس العالي لتفسير الدستور استناداً للمادة 122؛ لتفسير ما إذا كانت قوانين النقابات المهنية السارية المفعول متفقة مع أحكام الدستور أو مخالفة له.

 

وقد وقع على هذا الاقتراح الأعيان السادة مع حفظ الألقاب:

 

عبد الله صلاح، حابس المجالي، عامر خماش، معن أبو نوار، مروان الحمود، عبد العزيز الخياط، رجائي المعشر، قسيم عبيدات، جودت السبول، أحمد العقايلة، محمد عودة القرعان، نذير رشيد، داود حنانيا، كمال الشاعر، عبد المجيد شومان، أحمد سعود العدوان، أشرف الكردي، حماد المعايطة، غيث شبيلات، سامي مثقال الفايز، مشهور أبو تايه، صيتان مجحم الماضي.

وعند عرض المذكرة على المجلس فقد صوت عليها 19 عضوا لأن بعض الأعضاء المطالبين كانوا مسافرين، وبعضهم غير رأيه، وهكذا فشل المشروع بفارق ضئيل جدا في عدد الأصوات.

 

وأعتقد أنه يجب الأخذ بالاعتبارعند مناقشة موضوع النقابات أن نلاحظ التغيرات الاجتماعية والسياسية التي طرأت على الساحة الداخلية، ويجب أن نحسب لكل متغير حساباً ونضع له علاجاً يأخذ أول ما يأخذ مصلحة الوطن بصونه من العبث تحت أي شعار يُطرح. وأن نستشرف آفاق المستقبل وأن نعي دلالات هذا المخاض المتسارع في العالم أجمع، هذا العالم الذي أصبح صغيراً ومتقارباً بفعل ثورة الاتصالات التي يشهدها.

 

ومن المعلوم أن هذه النقابات المهنية تأسست بموجب قوانين خاصة بها لتحقيق المهام والمسؤوليات المهنية المشار إليها في أحكامها، لكنها تعدت الميدان المهني الذي هو أساس وجودها وتكوينها إلى ميادين أخرى أهمها ميدان السياسة.

 

ولئن رضي بعض الناس بهذا الخروج وتقبلوه في ظروف ليست طبيعية مر بها بلدنا، وتمثلت في الاحتلال أحياناً، وفي تعاقب الهزائم أحياناً أخرى، وما تمخض عن ذلك من كوارث ومصاعب، فضلاً عن خلو الساحة من الأحزاب السياسية؛ فإن تلك الحقبة التي تصدت فيها النقابات للعمل السياسي، لم يكن تصديها أثناءها مبرأً من العيوب.

 

إن الديمقراطية تكون بالتزام الدستور والقوانين النافذة، وعليه فإنني أتمنى على حكومتنا الرشيدة، أن تشد أزر وزير داخليتنا وأن تقف معه وتدعمه وتتبنى موقفه وأن يتعدى ذلك أيضا إلى ضرورة إلغاء إلزامية العضوية في النقابات لأنها مصدر الخلل.

التعليق