إحياء ذكرى الضحايا لخلق المزيد من الضحايا

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

تحيي "إسرائيل" ذكرى المحرقة في أوشفيتز، بكثير من مظاهر الاستعراض والابتزاز للعالم أجمع(سواء من كانت له علاقة بالموضوع، ولو من بعيد، اومن لم تكن له أيَّة علاقة به بأيّ شكل من الأشكال)، وتقدِّم نفسها باعتبارها الممثِّل الشرعي والوحيد للضحايا، متجاهلة تماماً أنَّ العديد من الشعوب الأخرى قدَّمت هي أيضاً الكثير من الضحايا(الغجر على سبيل المثال)، إضافة إلى عشرين مليون إنسان من الاتِّحاد السوفييتي وحده قضوا في أتون الحرب العالميَّة الثانية ضدّ النازيَّة. بل أكثر من ذلك فإنَّ الإسرائيليّين(وأنصارهم في الغرب) لا يقبلون أن تقارن تضحيات الشعوب الأخرى، مهما كانت باهظة، بتضحيات من يدَّعون أنَّهم يمثِّلونهم. وكأنَّ هؤلاء "الأغيار" ليسوا من البشر! ولقد بلغ الأمر، في بعض دول الغرب، حدَّ سنِّ القوانين لمنع الناس هناك من إجراء مثل هذه المقارنة!

 

غير أنَّ الكثير من الباحثين والدارسين كشفوا زيف "العطف" الإسرائيلي على الضحايا، ومن هؤلاء، على سبيل المثال، السيِّد محمود عبَّاس(رئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة الحالي)؛ حيث برهن في رسالة الدكتوراه الخاصَّة به التي قدَّمها في موسكو، في أوائل الثمانينيَّات، على أنَّ صلةً وثيقة كانت قائمة بين الدوائر النازيَّة وبين قيادات الحركة الصهيونيَّة، وكان من أهمِّ ثمارها تعاون الطرفين على دفع يهود ألمانيا وبولندا، وسواها من الدول التي كانت خاضعة للاحتلال النازي آنذاك، للهجرة إلى فلسطين. ثمَّ أنَّ "المحرقة" كانت على رأس المبرِّرات الزائفة التي استخدمتها الحركة الصهيونيَّة والغرب الإمبريالي لإنشاء "إسرائيل" على أنقاض فلسطين، وكانت فيما بعد هي الوسيلة الناجعة لابتزاز ألمانيا الاتِّحاديَّة(سابقاً)، طوال العقود التي تلت الحرب، وإرغامها على دفع "تعويضات" ماليَّة هائلة، أو على شكل معدَّات حربيَّة ومدنيَّة للدولة العبريَّة؛ مع أنَّ الدولتين اللتين قامتا على أنقاض ألمانيا النازيَّة، لا علاقة لهما بما فعلته تلك، كما أنَّ الشعب الألماني نفسه كان الضحيَّة الأولى لطموحاتها غير المشروعة، ومغامراتها الدمويَّة، وأسلوبها القاسي في الحكم.

 

على أيَّة حال، بينما يحيي القوم في تل أبيب وفي عواصم الغرب المختلفة ذكرى الضحايا في أوشفيتز، فإنَّهم يفعلون ذلك على وقع ضربات المدافع والطائرات للمدن الفلسطينيَّة والعراقيَّة، وصرخات المعذَّبين في السجون الأميركيَّة في العراق وغوانتنامو والسجون الصهيونيَّة في فلسطين، ويتبادلون أنخاب الذكرى من دماء الفلسطينيّين والعراقيّين.

 

إنَّها أسوأ طريقة للاحتفال بذكرى الضحايا(أي ضحايا)، وإنَّهم لأسوأ محتفلين! وتحضرني هنا قصَّة عن المستكشفين الأوروبيّين الأوائل لأميركا، حيث كانوا يعذِّبون السكّان الأصليّين، بصورة بشعة، لثنيهم عن معتقداتهم الدينيَّة وفرض ديانتهم هم على هؤلاء المساكين. وذات مرَّة سأل أحد هؤلاء جلاَّديه عمَّا يمكن أن يحصل عليه مقابل تخلِّيه عن ديانته واتَّباعه لديانتهم. فقالوا له بأنَّ جزاءه سيكون الجنَّة. فسألهم، عندئذٍ، عمَّن سيكون معه في الجنَّة حينذاك. فقالوا بأنَّهم هم بالطبع من سيكون معه فيها. فما كان منه إلا أن قال لهم بأنَّه، والحالة هذه، لا يريد هذه الجنَّة.

 

والآن بينما يتباكى الصهاينة ويتباكى الغرب على ضحايا المحرقة، فإنَّ العالم كلّه وهو ينظر إلى أيدي هؤلاء وما تفعله بالفلسطينيّين وبالعراقيّين وبالأفغان وما فعلته في يوغسلافيا وفي فيتنام ولاوس وكمبوديا وأميركا اللاتينيَّة وهيروشيما وناغازاكي وأفريقيا.. الخ، لا يصدِّق عواطفهم الزائفة وإنسانيَّتهم المدَّعاة، ويشعر بالقرف والغثيان من نفاقهم ومن استعراضاتهم المبتذلة. ولكنَّه مغلوب على أمره، ومرعوب ممَّا يراه؛ فيضطر للصمت في معظم الأحيان، أو للهمس في أحسن الأحوال، أمَّا من يجرؤ على النطق بالحقيقة فإنَّ صدى صوته لا يلبث أن يضيع وسط ضجيج المدافع التي تواصل حصد أرواح الضحايا بلا انقطاع، ووسط قرع كؤوس المحتفلين بذكرى الضحايا السابقين ليستولدوا منها باستمرار ضحاياهم اللاحقين.

E-mail: qubailat@yahoo.com   

 

التعليق