من الحصار إلى صقيع روسيا:الأسد يزور روسيا؟

تم نشره في الخميس 27 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

   تحت عنوان "ما هي" المصالح القومية الروسية " يكتب الاستراتيجي الروسي ألكسندر دو غين الذي يصر على أن قدر روسيا أن تكون إمبراطورية ، أقول يكتب في كتابه الهام حقاً " مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي ، 2004 " من الواضح أن وجود روسيا ، التي تفهم على أنها الفيدرالية الروسية (ف.ر) لا يستجيب لأية معايير جادة عند تحديد وضع الدولة والهذيان المتعلق بتقييم وضع الفيدرالية الروسية في السياسة العالمية إنما هو بالذات الدليل على هذا الوضع للأمور. فما هي الفيدرالية الروسية أهي وريثة الاتحاد السوفيتي وخليفته الحقوقية؟ أهي دولة جهوية؟ دولة متعددة القوميات؟ فيدرالية متعددة الإثنيات؟ جند رمة الأوراسيا؟ بيدق في المشاريع الأميركية؟ أراض مكرسة للتقسيم في المستقبل؟ ومن وجهة نظر دو غين أنه انطلاقاً من ذلك ومن شروط معينة تلعب الفيدرالية الروسية واحداً من هذه الأدوار بغض النظر عن التناقض المطلق في هذه التحديات. فهي في لحظة من اللحظات، دولة ذات تطلع إلى دور خاص في السياسة العالمية، وهي في لحظة أخرى دولة جهوية ثانوية الأهمية، و في ثالثة هي حقل للتجارب الانفصالية ...الخ من هنا فهو يحكم على التوجه الذي يحكم الدولة الروسية الحالية بالغموض الثقافي والنظام السياسي المتذبذب / الرجراج الذي يمكن أن يعزى من وجهة نظر دو غين إلى انهيار تشكل جيوبوليتيكي أكثر عالمية؟.

 

     في سياق هذا الغموض الثقافي والإيديولوجي والسياسي الذي يحكم الدولة الروسية ويفقدها بوصلة التوجه باتجاه قدرها الإمبراطوري ويفقدها كل معايير جادة مع حلفاء الأمس الذين هم شرط قيام كل إمبراطورية ، وتجاه القضايا العالمية وفي مقدمتها قضايا الشرق الأوسط التي تتحرك على صفيح ساخن يهدد بالانفجار في كل لحظة.

 

    يتوجه الرئيس السوري بشار الأسد إلى موسكو عاصمة الإمبراطورية المتشظية ، غير هياب بثلوج روسيا و برودة الجو القارس كما صرح للصحافة والأهم برودة روسيا الفيدرالية تجاه مناطق نفوذها وحلفائها التاريخيين ، وهو يدرك أن ثمة تناقضاً مطلقاً كما وصفه دو غين يحكم توجهات الدولة الروسية التي فقدت توجهها وباتت متهمة مرة بأنها بيدق في يد الإمبراطورية الأميركية التي نجحت في تحطيم الإمبراطورية السوفياتية سابقاً ، و مرات بأنها آيلة إلى السقوط والتشظي إلى قارة من الإثنيات المنبعثة من رمادها ، لنقل من رماد الحقبة السوفياتية حيث تقوم الولايات المتحدة بالنفخ في رماد هذه الحقبة على أمل محاصرة ما تبقى من هذه الإمبراطورية.

 

    قيل الكثير عن أهداف الزيارة، و قد سبقت " إسرائيل " الجميع في ذلك ، فالغاية من الزيارة من وجهة نظرها هي الحصول على السلاح الروسي المتطور وبالأخص في مجال الصواريخ، وهذا ما يفسر تلك الحملة الضارية التي تشنها وشنتها على سورية ، وهذا ما ذكرنا بالحقبة الماضية ، وبالأخص في أواسط عقد الخمسينيات من القرن المنصرم عندما أبرم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مع روسيا صفقة السلاح التشيكي التي اخترق فيها الحظر على السلاح ، و مع أن سورية دولة مستقلة ومن حقها أن تعقد مع أي دولة شاءت صفقات الأسلحة وغيرها ، خاصة وأنها في حالة حرب مع إسرائيل ومهددة داخل أراضيها بالغزو من قبل الولايات المتحدة التي لم تمل من التلويح بالعقوبات وتكرار النموذج العراقي بهدف ابتزاز سوريا ، إلا أنه ما يلفت للنظر هو الارتباك السوري أولاً ثم تمالك النفس ثانياً وامتصاص الصدمة .

 

    من هنا يمكن القول إن الرئيس السوري الشاب الذي يجد نفسه محاصراً ،يجد نفسه مدفوعا للحراك بين حصارين ، لنقل من الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة التي تهدد بإخراج سوريا من لبنان ، وفرض مزيد من العقوبات كان أخرها ، كما ذكرت وكالات الأنباء، محاولة تجميد أرصدة المسؤوليين السوريين هناك . إلى الحصار الذي تعيشه الدولة الروسية ، لنقل مع دو غين الفيدرالية الروسية في نظامها السياسي المتذبذب والرجراج والذي فقد بوصلته في التوجه .

 

    في رأيي ، أن حالة التذبذب الروسية التي تشهد استقطاباً من نوع آخر ، بين الليبراليين الداعين إلى اللحاق بالغرب ، وبين ورثة الإمبراطورية السوفياتية، هي ما يغري بالرهان على صعيد الرئيس السوري الذي يلمح بروز تيار جديد يؤمن بالقدر الإمبراطوري للدولة الروسية التي يدخل في أساس بنيتها الجيوبوليتيكي فكرة وجود العدو المشترك .

 

    والسؤال هو : هل سيستطيع الرئيس بما يملكه من إمكانيات محدودة بعد انهيار النظام الإقليمي العربي ممثلاً بغياب مصر وتراجعها وانكفائها على نفسها وكذلك احتلال بغداد، من النفخ في رماد التحالفات القديمة / الجديدة في سعيه إلى الخروج من دائرة الحصار ، والأهم النفخ تحت فكرة " العدو المشترك " التي تغذي عن التيار الجديد في روسيا أحلاماً إمبراطورية.

    لا أقول إن الرئيس السوري يحلم، ولكن تاريخ العقل السياسي يدين بمرجعيته كما كتب ميشيل فوكو في حفرياته في العقل السياسي لأحلام كبيرة وصغيرة باتت واقعاً ، وقد يكون هذا إحدى مراهنات رئيس شاب يحلم بفك الحصار من حوله ؟.   

 

التعليق