الإدارة الأميركية وسياساتها المرتبكة

تم نشره في الأربعاء 26 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

     الذين يمارسون لعبة الشطرنج أو أية لعبة تتسم بصراع بين متنافسين عليهم ان يلحظوا اول ما يلحظون إنْ كان خصمهم يرتكب الاخطاء في الحركات التي يتخذها او في طريقة رده على مقابلة, فارتكاب الخصم لاخطاء في خططه وادارته للعبة او للصراع, قد يكون حاسما في هزيمته, وقد يكون اكثر اهمية في ذلك من مهارة منافسه, أو دقته وصحة خططه وادارته للمعركة.

      منذ مجيء ادارة الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش ولا سيما بعد 11 ايلول/ سبتمبر 2001 يلحظ التخبط في السياسات الاميركية وعدم الدقة والمهارة و"المعلمانية" في تحديد الاولويات واتخاذ القرارات وادارة الصراعات التي تواجهها اميركا على نطاق عالمي, وقد يكفي تعبيرعام عن ذلك تلك الصرخة المدوية الشهيرة "لماذا يكرهوننا"? وهي موجهة ليس للعرب والمسلمين فحسب وانما ايضا للرأي العام العالمي وحتى لكثير من الدول والساسة والقادة على مستوى الكرة الارضية.

     البعض يكتفون في الحديث عن اميركا بما يحددونه من موقف اساسي ازاء طبيعتها كدولة امبريالية- امبراطورية, اوهيمنية توسعية, او عسكرية- عدوانية, او احتكارية نهبية (لثروات العالم), ولهذا تراهم يركزون على التحريض ضدها مسخرين ما تمارسه او تعلنه من سياسات في ذلك التحريض, وهذا, بالطبع ما يفعله الاطراف في مواجهة خصومهم, ومن ثم فإن التعبئة والتحريض ضد الخصم السياسي يمثلان قانونا عاما لا استثناء له, لكنه وحده غير كاف اذ من المهم اجراء تقدير موقف دقيق وموضوعي في الحكم على الطريقة التي تدير بها اميركا صراعاتها وترسم سياساتها, وهذا يتضمن الحكم عليها ان كانت ترتكب الاخطاء من وجهة نظر ادارتها للصراع, فكلما كانت سياساتها متخبطة مرتبكة لا تصدر عن تقدير موقف صحيح لموازين القوى وللظروف وللحالة المعطاة سهلت مهمة مواجهتها وعجلت في هزيمتها.

    لا يبالغ المرء لو قال ان ما من ادارة اميركية ارتكبت من الاخطاء, من وجهة نظر مصلحتها العليا, في ادارة الصراع مثل عهد جورج دبليو بوش ما بين 2001- 2004 وقد وصل الامر الى حد الاطاحة بكل تلك الهالة التي احاطت بالمؤسسة الاميركية من حيث الدرس والتخطيط ووضع البدائل وتجنب الارتجال والانفعال والسطحية في التعامل مع السياسة والمنافسين والخصوم كما الاصدقاء والحلفاء, ولعل المتطرفين الليكوديين المتنفذين من "المحافظين الجدد" الذين قفزوا الى مطابخ اتخاذ القرار من خلال دعم جورج بوش ونائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد لعبوا دورا مقدرا في ما ظهر من تخبط في الاستراتيجية الاميركية ومن ارتباكات في سياساتها, وقد ساعدهم على ذلك غرور القوة وغوايتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكر وارسو, فوقعوا في تقدير خاطئ لموازين القوى فأسقطوا من حسابهم أهمية حلفاء اميركا في الحرب الباردة ساعين لتحالفات طارئة وفقا لكل حالة يواجهونها, فاستهتروا بحلف الاطلسي, وتجاهلوا ما يجري من تطور في النظام الروسي بعد يالتسين, واجّلوا التعاطي مع القوة  الاقتصادية والعسكرية المتعاظمة لكل من الصين والهند لحين اعادة بناء الشرق الاوسط وفقا للمشروع الصهيوني, وأخفقوا في تقدير قوة الرأي العام العالمي حين يتكاتف ضد الحرب, والاهم قوة الشعوب خصوصا شعوبنا العربية والاسلامية في حالة تعرضها للاحتلال, او تمرد شعوب اميركا اللاتينية وعدد من حكوماتها حين تلحِق بها العولمة المؤمركة اشد الاضرار.

       هذا على مستوى التخبط في الاستراتيجية العامة عالميا, اما المثل الصارخ المحدد على ارتباك السياسات الاميركية وتخبطها فنجده في العراق ابتداء من قرار العدوان عليه وما قدم من اسباب مفبركة لذلك ومرورا باحتلاله, وما جرى من عمليات نهب وتدمير وتخريب وانتهاكات تصل الى حد جرائم الحرب بامتياز, واخيرا وليس آخرا بعملية الفالوجة التي صمدت وما زالت تقاوم في بعض احيائها, ثم مشروع الانتخابات الذي لا تعرف كيف تسوغه او تجربه او تخرج منه كما تريد, ولهذا يمكن القطع ان الادارة الاميركية في العراق بسب مسلسل الاخطاء حتى من وجهة نظر اميركية, او برأي حلفائها دخلت مأزقا لا افق فيه للنجاح عدا تنظيم الانسحاب بأقل ما يمكن من الخسائر او المحافظة على ماء الوجه.

     هذا وجاءت سياسة ادارة بوش مرتبكة ومتخبطة في التعامل مع الموضوع الفلسطيني حين تماهت مع سياسات شارون وجيّرت لنفسها كل ما ارتكبه من جرائم حرب, ولم يتوقف مسلسل الاخطاء في تبنيها بالكامل للمشروع الصهيوني فيما يتعلق برهن علاقاتها العربية بمدى اقتراب كل دولة منه, مع عدم الاكتفاء بأقل من الخضوع الكامل للشروط الاسرائيلية.

هذا ويمكن ان يلحظ ارتباكها وتخبطها كذلك حين سلّمت الملف النووي الايراني لكل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا حيث فقدت زخمها باستصدار قرار من وكالة الطاقة النووية مقدمة لاستصدار قرار يهيئ للحرب عبر مجلس الامن, الامر الذي اضطرها لفتح معركة خاسرة ضد ايران بدعوى تدخلها في العراق. وهو مدخل يخرب بالضرورة على سياساتها في انجاح الانتخابات العراقية ناهيك عن نتائج ما بعدها.

ما تقدم مجرد امثلة على ما ترتكبه السياسات الامريكية بحق نفسها من اخطاء تؤدي بها الى الارتباك والتخبط, وهذان يؤسسان للاخفاق والفشل, وهو ما يجب ان يفيد منه الحريصون على مناهضة سياساتها وهزيمتها او المنزعجون من تفردها وغطرستها, ولهذا فإن صراعا يدور الان داخل مراكز القرار في الولايات المتحدة في اثناء مراجعة السياسات التي تبنتها ادارة بوش في عهده الاول, وثمة ضغوط اوروبية- اطلسية في الاتجاه نفسه.

الامر الذي يطرح السؤال: هل احتمال حدوث تغيير اصبح راجحا? وهل سيكون تغييرا في الاستراتيجية المعلنة في 20 ايلول/ سبتمبر 2002 ؟ ام سيكون محاولة ترقيع مع الاستمرار في تلك الاستراتيجية؟

ما ظهر حتى الان مجرد محاولة ترقيع وليس تغييرا يخفف من مسلسل الارتباك والتخبط .  ولا ادل على ذلك من خطاب بوش في حفل تدشينه لرئاسة ثانية حيث ذكر كلمة "الحرية" 36 مرة مما يشير الى استمرار الارتباك والتخبط او الى عدم حسم موضوع الاستراتيجية القادمة بعد, وكيف ستحدد اولوياتها وبناء تحالفاتها, وهو ما سيتكشف في الشهر القادم من خلال خطاب "حال الامة".

التعليق