مهنية النقابات وتعدديتها

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

قيام الدولة بتحمل عبء تنظيم العمل المهني، والسماح بالتعددية النقابية هو حل معضلة النقابات المهنية. هذه الخطوة المزدوجة هي التي تسمح بتصحيح مسار الحركة المهنية والنقابية في الأردن، وذلك بالتأكيد على أن النقابات للمهنيين وليست للمهن. الذي أعاق تطوير الحركة النقابية الأردنية العمالية منها والمهنية، وجعل التعامل معها معضلة للحكومات المتعاقبة على مدار ربع القرن الماضي، وجعل الجسم النقابي يعيش أزمة مستمرة في علاقته مع الدولة والمجتمع هو أن النقابات مطلوب منها أن تقوم بدورين أو مهمتين متناقضين؛ الدور الأول هو الدور المهني، والمهمة الأخرى هي الدفاع عن حقوق أعضائها.

 

والدور المهني المطلوب من النقابات يتمثل بالعمل على مراقبة أداء منتسبيها، وتطويرهم علمياً. تطوير النقابيين علمياً يحيل مهمة الجامعات ومراكز البحث العلمي وجمعيات العلوم إلى النقابات. والشق الثاني من الدور المهني للنقابات وهو ضمان الأداء المعياري للمهنيين، هو حق كل المجتمع على المهنيين ويجب أن تكفله الدولة، ولا يجوز ترك هذه المهمة (حماية حقوق كل المجتمع على المهنيين) لتقوم به النقابات. مطالبة النقابات بالقيام بأي دور مهني، هو ببساطة مطالبتها بأن تغطي عجز الدولة عن القيام بوضع كودات الأداء المهني المعياري ومراقبة المهنيين للالتزام بها. وأيضاً الدور المهني المطلوب من النقابات هو لتغطية عجز الجامعات ومؤسسات البحث العلمي وجمعيات العلوم الغائبة.

 

حق المواطن في أن يحصل من الطبيب على خدمات معيارية على سبيل المثال، لن تكفله نقابة الأطباء، ولا يجوز أن تكفله نقابة الأطباء، هذا حق لكل المجتمع على كل المهنيين يجب أن تكفله الدولة. ولا يمكن للنقابة أن تقوم هي بدور الدولة في حماية المجتمع من ممارسات غير معيارية لطبيب أو أكثر. الدولة معنية بأن تقوم هي بوضع كودة الأداء المعياري للطبيب والمستشفى، وتراقب التزام الجميع بقواعد الأداء المعياري، وتحاسب بشكل حاسم ودون اعتبارات انتخابية أي انحراف يحصل. فلا يمكن أن يتردى الأداء المهني في الأردن، ونطالب المهنيين بان يقوموا هم أنفسهم بحل المشكلة. هذا ببساطة إعلان إفلاس للدولة الحديثة، ويؤذي فكرة الدولة ومهمتها الأساسية من حيث هي ضامنة لحقوق المواطنين، كافة المواطنين، وهي بذلك تعبير عن التوازن بين المصالح المتباينة. فالدولة التي تريد أن ترعى وتحفظ التوازن بين المصالح المتضاربة، عليها هي أن تقوم بحماية حقوق المواطنين على المهنيين، ولا تتركه بيد فئة لها مصلحة في بقاء عدم التوازن أو الإخلال به.  

 

والشق الثاني من الدور المهني للنقابات هو تطوير المستوى العلمي والتقني والحرفي للمهنيين. وهذا أيضاً دور لا تقوم بها الهيئات النقابية. فالهيئات النقابية ليست مؤهلة للقيام بهذا الدور، مثل هذا الدور يتطلب باحثين متفرغين، ومراكز متابعة علمية، ليس مطلوباً من النقابات أن تقوم بهذا النشاط، ولا يمكنها ذلك، وهذا ضد طبيعتها. تأمين مزيد من المعرفة والعلوم للمهنيين، مهمة تقوم بها الجامعات، ومراكز البحث العلمي، وجمعيات العلوم الغائبة تماماً عن مجتمعنا. ومطالبة النقابات أن تقوم بهذا الدور هو محاولة للتغطية على تقصير مؤسسات أخرى، ولعجز الحكومات المتعاقبة عن بدء التفكير بالجمعيات العلمية، باعتبارها هي الجسر الذي يربط ما بين طرفين: الأول هو الممارسون الراغبون بالتطور والتقدم والارتقاء من خلال الإطلاع على آخر منجزات العلم في مجالهم، والطرف الآخر هو الجامعات ومراكز البحث العلمي، والباحثون  الذين يتطلعون لمعرفة ما يريده الممارسون، وليقدموا لهم آخر منجزاتهم. 

 

الطلب من النقابات أن تقوم بدور مهني، لم يكن خطأ مقصوداً بحد ذاته. بل كان تسوية ما بين وجهتي نظر. الأولى تنظر للنقابات باعتبارها أطرا لعمل سياسي يتناقض مع الفرضيات الأساسية للدولة، والثانية تنظر للعمل النقابي كضرورة للتقدم والتطور. الدولة التي كانت ترفض فكرة وجود طبقات، وكانت ترفض فكرة انقسام الناس على أساس مصالحهم، رفضت تشكيل نقابات ذات طابع نقابي. يضاف إلى ذلك أن الدولة كانت ضعيفة ومتخلفة، وتحتاج إلى صيغة لتنظيم عمل المهنيين، فلا يمكن أن يكون هناك أطباء دون مظلة لعملهم. وكانت التسوية هي أن يتم تشكيل النقابات حسب دور مهني، مع هوامش سياسية فضفاضة. النقابيون قبلوا ذلك، والدولة قبلت ذلك. فالنقابات تقوم بمهمة ودور لا يمكن للدولة أن تقوم به، وليس هناك أدنى فكرة عن كيفية القيام به، وهذا كان الدور المهني. والهامش السياسي المتحرك كان ضرورة حتى تقوم النقابات بذلك الدور، بحيث تبقى نقابات، ولا تتحمل الدولة أعباء المهمة المطلوبة. الهامش السياسي المتحرك، رضيت به النقابات على أساس قابليته للاتساع، ورضيت به الدولة على أساس قابليته لأن يتم تضييقه متى كان ذلك ضرورياً. وتحول هذا الهامش إلى ساحة التفاعل الوحيدة بين الدولة والنقابات. وبين الحين والآخر ترتفع أصوات من خارج المهنة، ولا تعرف شيئاً عن المهنة، وتطالب النقابات بان تبقى مهنية. دون أي أدنى تعريف واضح للمهنية. ولكن المعنى المقصود هو أن على النقابات أن لا تكون مزعجة في استثمار هامشها السياسي.

 

ولم يكن الخاسر الوحيد المواطنين الذين ما تزال للآن الدولة تتجاهل حقوقهم في تأمين الحصول على خدمات مهنية معيارية، بل وضاعت حقوق المهنيين، لأن النقابة فقدت تماماً فكرة تجانس المصلحة بين أعضائها. فالأصل أن النقابة تجمّع لذوي مصالح مشتركة للدفاع عن حقوقهم من خلال قنوات مدنية وسياسية وقانونية. ولكن كيف يمكن لنقابة الأطباء الأردنية، أن تبقى نقابة في الوقت الذي تضم فيه صاحب مستشفى، وطبيبا يعمل عنده في تلك المستشفى وهو محروم من التأمين الصحي؟ هذه ليست نقابة، وهي يمكن لها أن تكون أي شيء إلا أن تكون نقابة. وما ينطبق على نقابة الأطباء الأردنيين ينطبق كذلك على نقابة المهندسين، وعلى نقابة المحامين، وعلى بقية النقابات. تجمع مهني لأفراد تختلف مصالحهم بشكل متناقض. فصاحب مصنع الأدوية والصيدلاني الذي يعمل عنده كلاهما في نفس النقابة؟

 

عدم التجانس في الجسم النقابي، يجعل من المستحيل تصور أي صيغة للعمل المشترك في الجسم النقابي إلا الصيغة السياسية التي تحول النقابات لمنصات وساحات للثرثرة السياسية. إلا أن تصحيح الخطأ الراهن لا يتم بالاستسلام له وقبول تحويل النقابات إلى نواد للثرثرة السياسية، ولا يتم أيضاً بالتعامل معها من خلال الحكام الإداريين. فأبسط ما يمكن أن يقال هو أن الحاكم الإداري، رغم الاحترام الشديد له، ليس مؤهلاً ليحدد ما هو مهني وما هو غير مهني. حدود المهنة يعرفها ويرسمها المهنيون، وقانون يشرف المهنيون على تطبيقه وليس الحكام الإداريون. وإعطاء الحكام الإداريين هذه المهمة يشبه كثيراً إعطاء نقابة البيطريين حق الرقابة على الأداء الأمني، وتحديد ما هو أمني وما هو غير أمني. من جهة أخرى، فإن استمرار العمل النقابي بالشكل الحالي، وتدني مستوى المشاركة يعود إلى استحالة عملية أن تتم هناك أنشطة تعبر عن مصالح الجميع بذات المستوى وتحظى بموافقة الجميع وحماسهم.

 

وحل معضلة العمل النقابي يتم من خلال قيام الدولة بالتصدي للمهمة الأساسية المطلوبة منها وهي ضمان حق المواطنين كلهم في الحصول على خدمات مهنية معيارية لقاء ما يدفعونه من أجور، ومحاربة كل أشكال الانحراف التي ظهرت مؤخراً في معظم المهن. والمهنيون يجب أن يرفضوا أن يكونوا غطاءً لتقصير الدولة عن القيام بواجبها بإصلاح المهن المختلفة. ومن الأجدر أن يبادروا بالتخلي تماماً عن كل ما يسمى الآن دور مهني للنقابات، فهذا تناقض منطقي وهو أشبه بالحديث عن الدائرة المربعة. والجانب الآخر من الحل هو تعددية النقابات. فهناك ضرورة على الأقل من الناحية النظرية (الناحية العملية قد تفرز أكثر من هذا العدد) لأن يكون في كل نقابة ثلاثة نقابات تعبر كل واحدة عن شريحة مصالح للمهنيين في تلك النقابات: وهم مالكو المؤسسات المهنية، والعاملون عند غيرهم في مؤسسات مهنية، والذين يقومون بتشغيل أنفسهم فقط 

 

التعددية النقابية هي وحدها التي يمكن لها أن تسمح ببروز نقابات متجانسة من حيث المصلحة، وتمنح للدولة فرصة أن تستعد لدورها الحيوي وهو حفاظ التوازن في المجتمع، وليس إخفاء الخلل في هذا التوازن وعدم تبيانه وعدم الاعتراف به. والتعددية النقابية هي التي تسمح بتصحيح الخطأ المركزي وهو أن النقابات يجب أن تكون للمهنيين تصوغ حقوقهم وتفهمها وتدافع عنهم، وليس للمهن. الدولة تنظم المهن وتحدد شكل وقواعد الممارسة المعيارية لكل المهن. أما النقابات فتنظم العمل للدفاع عن حقوق أعضائها.  

التعليق