حرب الأفكار (1-2)

تم نشره في السبت 22 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

حرب الأفكار مقولة أمريكية جديدة, جاءت في سياق مواجهة الإرهاب. وذلك بعد أن أدرك الأمريكيون ضرورة تجديد النظر في سياساتهم لمواجهة الإرهاب, وبعد أن ظهرت لديهم بعض الشكوك في إمكانية الفوز السريع والحاسم في هذه المعركة.

 

وقد ارتبطت هذه المقولة بثلاثة اتجاهات, تعددت فيما بينها منظورات الرؤية, وطرائق الفهم والتحليل, ومحددات الأفق والمكان والزمان.

 

الاتجاه الأول عبرعنه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد حينما دعا في أكتوبر 2003م, إلى تشكيل وكالة جديدة تساعد على مواجهة ما أسماه حرب الأفكار الخاصة بالإرهاب الدولي. وذلك في سياق حاجة الإدراة الأمريكية ووزارة الدفاع إلى إعادة تنظيم للتعامل بشكل أكثر فاعلية مع تهديدات القرن الحادي والعشرين. واعتبر أنه من أجل الفوز بالحرب ضد الإرهاب علينا حسب قوله أن ننتصر في حرب الأفكار. ويقصد بهذه الحرب معركة الفكر مع أولئك الذين تجندهم الشبكات الإرهابية في كافة أنحاء العالم. ويعلل ذلك بأن في مقابل كل إرهابي يعتقله التحالف حسب قوله أو يقتله أو يردعه أو يثنيه, هناك آخرون يتدربون. لذلك لا بد من خوض حرب الأفكار لمنع الجيل الجديد من الإرهابيين من تنظيم صفوفه,  بدون أن يعترف بأن الحرب ضد الإرهاب ستكون طويلة وصعبة وخطرة. وهناك من يفسر هذا الموقف بأن رامسفيلد بات راغباً في أن يبدو أكثر اعتدالاً, خصوصاً مع ما يقال عن تسريب مذكرة داخلية تساءل فيها رامسفلد نفسه عن ( هل نحن سائرون إلى النصر أو الهزيمة في حرب الإرهاب؟ ) ولعله بات مقتنعاً بإعطاء دور أكبر لوزارة الخارجية في مكافحة الإرهاب.

 

الاتجاه الثاني وقد عبر عنه الكاتب الأمريكي توماس فريدمان الذي نشر مجموعة مقالات حاول فيها شرح وتحليل مفهوم أو مقولة حرب الأفكار. وكأنه يريد أن يقوم بدور تحديد وضبط مكونات هذا المفهوم, وطبيعة المجال الذي يتصل ويتحدد به. والتصور العام الذي ينطلق منه سمعه كما يقول ذات يوم من المحلل المتمرس في قضايا الشرق الأوسط عبد الله شليفر الذي يرى بأن الحرب العالمية الثانية كانت حرب النازيين, الذين استخدموا ماكنة ألمانيا لفرض هيمنة العنصر الكامل, الجنس الآري. والحرب الباردة كانت حرب الماركسيين, الذين استخدموا ماكنة الاتحاد السوفيتي لفرض هيمنة الطبقة العاملة. وكانت 11 سبتمبر حرب الأصوليين, الذين استخدموا التفجيرات الانتحارية لفرض هيمنة الدين الكامل, الإسلام السياسي. وبهذا التصور يحاول فريدمان أن يحدد المجال الجديد لحرب الأفكار, ويبعث على الثقة والأمل بالفوز في هذه المعركة, التي مرت بثلاثة أطوار تاريخية. الطور الأول الذي انتصر فيها الغرب على النازيين في النصف الأول من القرن العشرين. وفي الطور الثاني انتصر فيه الغرب أيضاً على الشيوعيين في النصف الثاني من القرن العشرين. وبقيت أمام الغرب معركة الطور الثالث وهي مع الأصوليين, والتي بدأت مع بداية القرن الحادي والعشرين.

ولعل ما يريد قوله فريدمان من هذا الكلام أن الغرب الذي انتصر على النازيين في زمن سابق, وعلى الشيوعيين في زمن آخر, فإنه باستطاعته أن ينتصر على الأصوليين في معركته الراهنة.

 

وأما عن طبيعة المهمة في حرب الأفكار فيرى فريدمان أنها بصورة أساسية ينبغي أن تكون في داخل المجتمعات الإسلامية نفسها, وبإشراك المعتدلين في هذه المعركة, فهو يعتقد أن الأكثر أهمية هو إيجاد سبل لجعل المجتمعات التي يأتي منها هؤلاء الأصوليون هي التي تردعهم أولاً, فهي،أي هذه المجتمعات، الوحيدة التي تعرف أناسها, وهي الوحيدة أيضاً حسب تقدير فريدمان القادرة على كبح متطرفيها. ولأن هؤلاء كما يضيف ليسوا دولة خاضعة للردع التقليدي أو القواعد الدولية, وليسوا أفراداً يردعهم الخوف من الموت. وليس بوسعنا والكلام لفريدمان تغيير المجتمعات والثقافات الأخرى بأنفسنا. ولكننا أيضاً لا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي من دون أن نفعل شيئاً في وجه هذا التهديد المتصاعد. وهنا يصل فريدمان إلى طبيعة المهمة التي يراها في حرب الأفكار, وهي المشاركة مع قوى الاعتدال في هذه المجتمعات العربية والإسلامية بمساعدتها على خوض حرب الأفكار, وهذا يتطلب تعزيز المعتدلين في العالم العربي, ويدعو الغرب لتبني أساليب وتكتيكات تساهم في تعزيز مكانة ونشاط هؤلاء المعتدلين.

التعليق