التنمية ومأزق الديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

 

      كانت الإدارة الأميركية قد طرحت بعد احتلالها للعراق ما أسمته مشروع " الشرق الأوسط الكبير " لنشر الديموقراطية في دول هذه المنطقة التي ضمت حسب التحديد الأميركي خليطا غير متجانس من الدول، شمل قائمة الدول العربية باستثناء السودان والصومال وجيبوتي، بينما ضم دولا غير عربية كإسرائيل وتركيا وإيران وأفغانستان والباكستان.


     وإذ تأتي مبادرة الرئيس الأميركي بوش الابن بعد غزو العراق واحتلاله في عام 2003 ، فقد سبق للرئيس الأمريكي الأسبق بوش الأب، أن طرح في أعقاب العدوان على العراق في حرب الخليج الثانية عام 1991 مبادرته حول النظام العالمي الجديد، والتي تضمنت التصور الأمريكي لما ينبغي أن يصاغ عليه المجتمع الدولي ليتماهى مع التوجهات والمصالح الأميركية.


      باعتقادي أن مشروع الشرق الأوسط الكبير يشكل خطوة على الطريق الأمريكي، لتنفيذ فكرة النظام العالمي الجديد الذي وجدت الولايات المتحدة نفسها قادرة على المضي بتحقيقه بعد انتهاء الحرب الباردة بما يحقق أجندتها المتضمنة قائمة طويلة من التوجهات التي تخدم مصالحها، والتي تتضمن إعادة ترتيب فسيفساء دول العالم المستضعفة وترتيبها وكأنها مجرد أحجار شطرنج تتم مناقلتها من مربع إلى آخر دون إرادة ذاتية.


      قد يكون من المقبول إعادة ترتيب دول العالم ، إذا ما كان ذلك في خدمة تلك الدول وشعوبها، لكن ما يؤكد أن هذه المشاريع السياسية، ليست إلا ستارا لإحكام الهيمنة الأميركية على دول العالم المستضعفة، خصوصا أن المآسي السياسية الفظيعة التي شهدتها وتشهدها كثيرا من دول العالم كانت نتيجة منطقية لطبيعة العلاقات التي ربطت الولايات المتحدة الأميركية مع هذه الدول، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من مناسبة أنها دعمت على مدار الستين عاما الماضية الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، التي لم تتسبب فقط بحرمان شعوبها من الحرية، بل وحرمتها أيضا من مواردها الطبيعية والمالية الهائلة مما حولها إلى أكثر دول العالم فقرا وبؤسا.


      صحيح أن ما جاء في مبررات قيام مشروع الشرق الأوسط الكبير قد تضمن مبادئ عن نشر الديموقراطية والحكم الصالح وتحقيق مجتمع المعرفة، لكن باعتقادي أن الولايات المتحدة ليس لديها أية مصداقية في هذا الجانب، لأنها هي التي تسببت بحدوث المآسي لشعوب منطقتنا العربية، وبالتالي فإن فاقد الشيء لا يعطيه. 


     لا يختلف اثنان حول حاجة الدول وفي مقدمتها الدول العربية للديموقراطية الحقيقية، التي تنصف الشعوب وتنقذها من الاستبداد والقمع والتسلط وسرقة مواردها وتبديدها على رفاه النخب والجماعات الحاكمة، بينما تعيش الشعوب في دياجير الفقر والعوز والجهل واستلاب إرادتها، لكن هل حقا أن المشروع الأميركي للديموقراطية في الشرق الأوسط الكبير يستهدف تحقيق أهداف نبيلة وسامية كهذه؟؟


      الجواب على ذلك بكل يقين هو كلا، لأن الدوافع الأميركية من محاولتها تبني مشروع الديموقراطية والإصلاح في الوطن العربي، والتي عبرت عنه بعضها في مناسبات عديدة، في مقدمتها أن هذه الديموقراطيات ستصب في خدمة الأمن الأميركي، وستنهي حالة الاستبداد المولد الرئيسي للإرهاب والتطرف ضد المصالح الأميركية، كل ذك تنظر إليه الولايات المتحدة الأمريكية بعيدا عن جوهر المشكلة في منطقتنا، وهو الصراع العربي مع التحالف الأميركي الصهيوني القائم على التعامل مع منطقتنا باعتبارها منطقة نفوذ أمريكي إسرائيلي.


      إن الديمقراطية القائمة على أسس سليمة والتي يسمح بها للشعوب أن تقول كلمتها المعبرة عن إرادتها الحرة وتطلعاتها لحياة أفضل، من خلال منافسة نزيهة وتكافؤ للفرص بين المرشحين وعبر صناديق الاقتراع الحر المباشر، من المؤكد أنها ستصب في مصلحة الشعوب وخدمتها وتجسيد إرادتها، وبالتالي فإن نشر ديموقراطية حقيقية يرافقها مساءلة ومحاسبة وبهذه المواصفات لا تخدم مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ستنشأ عنها دول ذات سيادة مستقلة سياسيا ومتطورة اقتصاديا، وهو ما يتعارض مع المصالح الأميركية الإسرائيلية القائمتين على حالة الوهن والضعف والتشرذم العربي الذي يشكل مصدر التفوق الإسرائيلي، الذي تتجلى أوضح صوره وأسوأ أحواله فيما نراه في أيامنا هذه.


      أما المحدد الرئيسي الثاني الذي يحول دون ولادة ديموقراطيات حقيقية في الوطن العربي فهو الجماعات والنخب الحاكمة في الدول العربية التي تجد مصالحها مهددة بسبب هذه الديموقراطية، لذلك فمصالحها تتطلب الالتفاف على أي اتجاه ديموقراطي وإصلاحي حقيقي وتفريغه من محتواه بما يضمن لها ديمومة مصالحها، أما المحدد الرئيسي الثالث فهو الطرف الإسرائيلي الذي لا يجد ذاته متفوقا إلا في خضم الوهن والتمزق والبؤس والتردي العربي.


       لذلك فإن المصالح الأميركية في استمرارية هيمنتها على دول الشرق الأوسط الكبير وفي مقدمتها دولنا العربية، إنما تلتقي مع المصالح الإسرائيلية، ومع مصالح النخب والجماعات الحاكمة في الدول العربية، على قاسم مشترك أعظم، ألا وهو استمرار حالة هذه المنطقة على ما هي عليه من تمزق وصراع وفرقة وشعوب فقيرة تلهث خلف قوتها اليومي بعيدا عن نشوء أية ديموقراطية حقيقية  .


محلل اقتصادي
   

التعليق