من هنا يبدأ التغيير

تم نشره في الأربعاء 19 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


    يناقش الكاتب السعودي تركي الحمد في كتابه "من هنا يبدأ التغيير" معضلة الأزمة التي تعانيها الثقافة والهوية العربيتان، وأسباب تقهقر السياسة العربية، ويدعو إلى الوسطية، وهو أحد تلك المبادئ التي لا يختلف عليها اثنان حين يكون الحديث على مستوى التجريد والمجردات، ولكن عندما تدخل ظروف الزمان والمكان ومتغيراتها في الاعتبار، زمانيا إذ ما كان يعتبر من الأمور الوسط ماضيا قد لا يعتبر كذلك حاضرا ومستقبلا وفي المجتمع أو الدولة نفسها، ومكانيا ما قد يكون وسطا في الولايات المتحدة الأميركية قد لا يكون كذلك في الهند أو روسيا.

      ويرى الكاتب أنه لا حركة دون مرجعية، ولا فعلا من دون أساس نظري غالبا، ولكن ذلك لا يلغي حرية الاختيار، ففي إطار المرجعية الواحدة والنص الواحد، يمكن مثلا أن نختار العنف أو طريق السلام، وطريق التعصب أو طريق التسامح، وطريق الدمار أو طريق البناء، فالمرجعية الواحدة والنص المجرد الواحد قادران على منح كل هذه الخيارات، إن النص ( ليس مقصورا على الأديان بل هو شامل لأي نص مجرد) يحكمنا بلا شك ولكننا لسنا أسرى النص بقدر ما نتفاعل معه، والسؤال هو كيف نتعامل مع النص؟ فكما نكن يكن تعاملنا مع النص. هذا والأمر لمن له الأمر في نهاية الأمر.

      والعصبية سواء كانت عصبية قبلية أو غيرها هي الأصل في التاريخ البشري، كما أن الصراع الاجتماعي والسياسي الذي يقوم على هذه العصبية هو صفة معظم مراحل التاريخ البشري. فعصبية العرق والجنس والدين والطبقة والفئة والطائفة والحزب وغيرها من عصبيات قديمة وجديدة، وما نعلم وما لا نعلم، كانت هي المحرك في تاريخ بني الإنسان على هذه الأرض وتجمعاته. والقضاء تماما على مثل هذه العصبيات مسألة مشكوك فيها.

وفي تقدير الكاتب هنا، أن القضاء على مثل هذه العصبيات ليس مهما، وإن كان مهما في عالم المثل بقدر ما أن المهم هو تنظيمها وتنظيم العلاقة بينها في إطار المجتمع الواحد، بحيث لا يكون تحقيق غاية هذه العصبية هو بالضرورة على حساب تحقيق غاية عصبية أخرى.

       ومن هنا ندرك مغزى حديث الإسلام عن القبلية بصفتها عصبية جاهلية، ولكنه لم يدع إلى نبذ القبيلة بصفتها جزءا من التركيبة الاجتماعية، لقد كان الرسول يتعامل مع العصبيات وفق المستويين المثالي والواقعي، ويحاول أن يوفق بينهما في إطار الأمة الجديدة والمجتمع الجديد الذي كان يؤسسه.

     المشكلة أن انفجار العصبيات كان دائم الحضور في التاريخ العربي الإسلامي، برغم كل مثاليات الإسلام، وذلك لأن التاريخ بقي خاضعا لمفهوم الغلبة حيث يحصل المنتصر على كل شيء، ومثاليات الإسلام نجد أنها كانت تعبر عن نفسها في لحظات خاطفة من هذا التاريخ، ولكن سرعان ما تختفي باختفاء الخليفة أو السلطان أو الأمير الذي يرعاها.

والسبب في ذلك أن من يقف وراء تحقيق بعض هذه المثاليات لا يحاول أن يحول هذه المثاليات إلى مؤسسات اجتماعية و سياسية ثابتة تبقى حتى بعد أن يختفي الراعي ولذلك بقي تاريخنا العربي الإسلامي تاريخا شخصانيا في معظمه، يتلاعب فيه صراع العصبيات المدمر حين لا تنتظم هذه العصبيات.

شيء من الخوف
     الخائف كما يرى الحمد هو نموذج الشخصية العربية والعقلية العربية، هذا الخوف المرضي من كل شيء ومن أي شيء تجده منبثا في كل جزء، وجزء من الحياة العربية وعلى كل المستويات وفي كافة الحالات.

     فالفرد دائما خائف، خائف من سقطات الماضي، ولا يثق بالحاضر، وكله تشاؤم بالمستقبل. يأكل ويشرب خائفا، إذ لعله لا يأكل ولا يشرب بعدها، وينام خائفا، إذ لا يستيقظ بعدها، ويعمل خائفا، إذ لعل العمل لا يستمر. إنه خائف من الحكومة وسلطانها، ومن المجتمع وعاداته وتقاليده، حتى الموت ليس لحظة راحة لهذا الفرد، إذ إنه لا يأمن عذاب القبر والمصير بعد ذلك.

      وعندما ننتقل من الفرد إلى النخبة نجد أن المسألة لا تختلف كثيرا بقدر ما أن الاختلاف كامن في المستوى والسلوكيات الأخرى. ولكن جوهر الخوف باق، ففي الخارج نجد النخبة السياسية العربية نفسها في حرج أو شلل في التعامل مع العالم تعاملا سويا قائما على العقلانية وحساب الأرباح والخسائر وتقدير المستقبل تقديرا استراتيجيا بعيد المدى أو حتى قصيره, فالخوف المرضي هذا يجعل كل ما يجري في هذا العالم وكأنه موجه إلى هذه النخبة السياسية أو تلك.

      فهذا العالم على سعته ليس إلا مسرحا لمؤامرات وأيد تلعب في الخفاء وصهاينة يسيرون التاريخ على هواهم ويجيرونه لصالحهم، ونحو ذلك من الأمور، كل العالم بشرقه وغربه وماضيه وحاضره يقف ضدنا: هذا هو لسان حال النخب السياسية العربية.

ذلك الخوف الذي لو كان للنخب السياسية العربية خيار معين فيه، لبنت أسوار "صين عظيمة" تبعدها عن العالم وتبعد العالم عنها، تعزلها عن الحياة، وتعزل الحياة عنها، لأن الحياة حركة وتغير وتجديد، وهي تريد إيقاف هذه الحياة عند لحظة زمنية معينة، ولكن الدهر يأبى، وهي لا تستطيع التعامل معه، فتكون الفوبيا والبارانويا وكل ما يرد في قواميس علم النفس في هذا المجال.

      إن الفرد الخائف لا يمكن أن يكون منتميا إلى أي شيء، ولا يكون فاعلا في الحياة، والدولة الخائفة تضر نفسها في آخر المطاف لعدم قدرتها على التعامل مع الآخرين تعاملا عقلانيا معينا يأخذ مصلحة هذه الدولة في الاعتبار وفق القوانين العصر، كما أن هذا الخوف يجعل الدولة دوما عرضة للابتزاز.

الرأي لصاحبه والوطن للجميع
     الوطنية ممارسة قبل أن تكون تنظيرا، وسلوكا فرديا قبل أن تكون سلوكا جماعيا، وهذا هو في اعتقاد الكاتب الفرق بين الفهم الأيديولوجي والفهم الموضوعي أو الواقعي في هذا المجال، فالفرد الذي يمارس وطنيته ليس من الضروري أن يقول بها أو يعلنها، فهي شيء يكتسبه الفرد من الأسرة والمجتمع والأرض، وهو لا يفكر فيه بقدر ما يمارسه، فلو سألت أميركيا أو بريطانيا مثلا عن معنى الوطنية الأميركية أو البريطانية لحار جوابا، على عكس إنسان العالم الثالث الذي قد يملأ الأسفار الضخمة في حديثه عن الوطن والوطنية والتنظير لهما، فالأميركي أو البريطاني يرفع من شأن الوطن من دون أن يتحدث عنه بكلمة.

ولو التزم صانع أحذية بصنع أحذية جيدة مثلا فهو أكثر وطنية من زعيم لا هم له في خطبه سوى الوطنية، وأب يزرع قيمة العمل في ابنه هو أكثر وطنية من وزير يتحدث عن الوطن، فإذا كان قيل إن الدين لله والوطن للجميع، فإنه من الأحق اليوم القول إن الرأي لصاحبه ولكن الوطن للجميع.

من هنا يبدأ الأمن
     الأمن الحقيقي لأي دولة وأي مجتمع لا يبدأ من الزاوية البوليسية، فهو مسألة اجتماعية قبل أن تكون سياسية، فالمجتمع المستقر هو دعامة للاستقرار السياسي، وأمن الدول وانهيار الدول يبدأ من انهيار مجتمعاتها، وأهم دعامة لاستقرار المجتمع هي الإحساس الفردي والجماعي بالانتماء.

      وعندما يحس الأفراد والجماعات بأن هناك علاقة وجدانية تربطهم بالمجتمع والدولة قائمة على الحقوق والواجبات، فإنهم يرتبطون بالمجتمع والدولة ويحمونهما، أما عندما تكون الواجبات هي المذكر به دائما من دون أن تكون هناك حقوق في المقابل، فإن الأفراد والجماعات يفقدون الرابطة الوجدانية بالدولة ومن ثم فإن النتيجة تكون هي الضياع وفقدان الإحساس بالانتماء.
من هنا يبدأ التغيير
 تركي الحمد
349 صفحة
- الطبعة الأولى،  2004
 دار الساقي، لندن, بيروت

التعليق