هل عاد الدفء إلى العلاقات التركية الإسرائيلية؟

تم نشره في الثلاثاء 18 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


أنهى وزير الخارجية التركي عبدالله غول، زيارة رسمية قام بها إلى الدولة العبرية هي الأولى يقوم بها مسؤول تركي رفيع المستوى منذ وصل حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان للسلطة في أنقرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.  


وقد التقى غول في تل أبيب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الإسرائيليين، قبل أن ينتقل إلى الأراضي الفلسطينية للاجتماع بالمسؤولين في السلطة الفلسطينية.

وأكدت مصادر تركية أن موضوع التطورات في الشرق الأوسط ومساعي تركيا لإحياء (عملية السلام)، إضافة إلى موضوع الوساطة التركية بين إسرائيل وكل من سوريا والسلطة الفلسطينية، والوضع في العراق، تصدرت مباحثات الوزير التركي.

وأشارت التصريحات التي أدلى بها غول خلال الزيارة إلى (جدية) النوايا والإشارات السورية ومعربا عن تفاؤله في ضوء (المتغيرات المستجدة في المنطقة)، ومشددا على ضرورة أن تكف إسرائيل عن ممارساتها ضد الفلسطينيين والانسحاب من كل الأراضي المحتلة في حزيران 1967 . كما ذكرت المصادر الرسمية الإسرائيلية أن أردوغان بزيارته هذه إنما يمهد لزيارة مقبلة سيقوم بها رئيس الوزراء التركي طيب أردوغان إلى تل أبيب، لكنها لم تحدد موعدا محددا تتم فيه هذه الزيارة.


 وتأتي زيارة غول في أعقاب توتر شديد شاب العلاقات التركية- الإسرائيلية في الأشهر الماضية أدى إلى وقف التعاون بينهما في كل المجالات، بما في ذلك المجال العسكري الذي قيل في حينه إنه وصل إلى مستوى التحالف الاستراتيجي بين الدولتين. وكان غول قد رفض العديد من الدعوات الإسرائيلية الرسمية لزيارة تل أبيب، سواء عندما شغل منصب رئيس وزراء مؤقت، أو بعد أن شغل منصبه الحالي كوزير للخارجية.

كذلك كان أردوغان قد رفض مثل هذه الزيارات، كما رفض استضافة نظيره الإسرائيلي أرييل شارون في أنقرة، لكنه فضل زيارة كل من طهران ودمشق، كما استقبلت أنقرة رئيس الوزراء السوري ناجي عطري ووزير خارجية إيران كمال خرازي.


ووصل التوتر في العلاقات بين الدولتين أوجه عندما وصف أردوغان الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين بأنها (إرهاب دولة)، وشبهها بـ (أفعال النازيين) بعد اغتيال الأب الروحي لحركة (حماس) الشيخ الشهيد أحمد ياسين، ثم بعده الشهيد عبد العزيز الرنتيسي. وكنوع من العقاب، ألغت تركيا جميع العقود الموقعة مبدئيا مع الكيان الصهيوني في مجالات التصنيع العسكري.


وقد يبدو الأمر وكأنما كل ذلك التوتر الذي ساد العلاقات بين تركيا وإسرائيل كان سببه الممارسات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، إلا أن الحقيقة ليست كذلك وإن كان لا يجب إنكار أن المواقف التركية، منذ وصل حزب أردوغان إلى السلطة، هي أفضل من معظم المواقف العربية من مجمل القضايا العربية وليس من القضية الفلسطينية فقط.


وتقتضي الحاجة لفهم السياسة التركية الحالية أن لا ننسى طبيعة العلاقات التركية- الإسرائيلية وكذلك طبيعة العلاقات التركية- الأميركية قبل حكومة أردوغان، ثم المصالح القومية التركية الراهنة التي تحاول هذه الحكومة أن تحققها أو تحميها، فلا نغالي في مواقفنا تجاه تركيا لا سلبا ولا إيجابا.


ن ما أزعج الحكومة التركية من تل أبيب هو الممارسات الإسرائيلية والنفوذ الإسرائيلي في كردستان العراق، هذا النفوذ الذي يستند إلى علاقات قديمة مع الزعامة الكردية ثم بدأ يتراكم بعد الحرب الأميركية الأولى ضد العراق وفرض الحصار عليه وخضوع الشمال للحماية الأميركية، وتزايد بعد غزو العراق واحتلاله.

 وقد أخذت إسرائيل تستغل الورقة الكردية وتوسع نفوذها أكثر وأكثر من خلال الضرب على وتر الطموحات الكردية بإقامة دولة مستقلة لهم في كردستان العراق، وهو أمر أقلق وسيظل مصدر قلق لتركيا. وقد حاولت تركيا أن تستغل ما كانت تعتقد أنه حظوتها لدى الولايات المتحدة الأميركية لوضع حد لهذا الموضوع، لكنها لاحظت أن واشنطن تغض الطرف عن ما يفعله الطرفان، الكردي والإسرائيلي، في شمال العراق، مما أدى إلى تمردها على الرغبات الأميركية أثناء عملية الغزو، ووتّر علاقاتها مع تل أبيب بعد ذلك. 


وكرد فعل على السياستين الأميركية والإسرائيلية في العراق، وبسبب رغبة حكومة طيب أردوغان بإقامة علاقات أفضل مع دول المنطقة العربية والإسلامية في المنطقة، وبسبب التهديدات الأميركية الموجهة لكل من سوريا وإيران، حدث تقارب بين تركيا وجيرانها زاد من قلق واشنطن وتل أبيب من السياسة التركية وساهم في زيادة التوتر معبرا عنه في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب.


لكن الحكومة التركية كانت طيلة الوقت تحاول إعادة التفاهم مع واشنطن، وعدم دفع التوتر إلى مداه مع تل أبيب، إضافة إلى أن المصالح الأميركية والإسرائيلية كانت تفترض التفاهم مع تركيا. لهذه الأسباب لم يصل الأمر إلى الصدام وظلت العلاقات تنتظر فرصة لإعادة الدفء إليها. لذلك لم يكن غريبا أن يتوقع المراقبون هذه العودة في عز التوتر، وقد سبقت زيارة غول محاولتان لترميم العلاقات التركية- الإسرائيلية، إحداهما إسرائيلية والأخرى تركية، في هذا المجال؛ فقد زار القائم بأعمال شارون، الوزير إيهود أولمرت في الصيف الماضي أنقرة وحاول استرضاء الحكومة التركية وطمأنتها على الوضع في شمال العراق، لكنها لم تستقبله بالترحاب في حينها. كذلك، زار تل أبيب، في أيلول/سبتمبر الماضي، وفد برلماني تركي شارك فيه ثلاثة، من أصل أربعة، كانوا من المقربين لأردوغان.

 وفي الوقت الذي غادر فيه عبدالله غول أنقرة بادئا زيارته الأولى لتل أبيب، استقبلت ريتشارد أرميتاج، نائب وزير الخارجية الأميركي، الذي قيل إن زيارته استهدفت طمأنة تركيا بشأن الوضع في شمال العراق وأكراده.

 
إن مصالح تركيا تتطلب منها – كما ترى تركيا - إقامة علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، وهذا أمر يصعب تحقيقه في ظل علاقات سيئة مع الكيان الصهيوني.

وتركيا ككل دول العالم ترى الباب الأوسع إلى قلب واشنطن هو باب تل أبيب. والعلاقات الجيدة مع واشنطن لا تحفظ لتركيا مصالحها معها وحسب، بل وتسهل لها تحقيق طموحها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أيضا.

كذلك فإن لتركيا مصالح مهمة مع الكيان الصهيوني، وهي حريصة على علاقاتها معه خدمة لتلك المصالح.

والحق أنه لا أحد يستطيع لوم تركيا إن هي حافظت  على مصالحها، خصوصا أنها لا ترى أنها تخسر شيئا بل هي ترشح نفسها، ومن خلال هذه العلاقات، لتلعب دورا إقليميا كوسيط لحل مشاكل وصراعات المنطقة. إن اللوم كله يقع على أولئك الذين لا تهمهم مصالح شعوبهم وأوطانهم، ولا يرون في العلاقات الدولية غير تابع أو متبوع، ومصالح فئة أو فئات. 
 
 

التعليق