مكتب للاستخبارات الإسرائيلية ... في شارع "أبو نواس"!

تم نشره في الاثنين 17 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


   مؤخرا، نشرت إحدى الصحف المحلية تقريرا صغيرا حول مؤسسة "معهد أبحاث وسائط الإعلام في الشرق الأوسط" (ميمري) الأميركية أوضحت فيه أن باحثي هذه المؤسسة "يقومون بالإصغاء باستمرار لما يقال في خطب الجمعة داخل المساجد في مختلف الدول العربية ويرصدون ما تحمله هذه الخطب من تحريض ضد دولة إسرائيل"، كما وترصد أيضا الصحف العربية وتترجم بعض موادها وتفحص مناهج التدريس الفلسطينية. وتشير الصحيفة إلى أن هذه المؤسسة صهيونية وأن التقارير التي تعدها توضع "أمام الجهات السياسية والاستخباراتية الإسرائيلية".

وأشار التقرير إلى أن ميمري "تخطط لافتتاح مكتب لها في بغداد في الأشهر القليلة القادمة" وحقيقة الأمر أن ميمري افتتحت فعلا مكتبا لها في بغداد أشهرا قليلة بعد احتلال العراق في نيسان العام 2003.


   ما لم تذكره الصحيفة هو أن ميمري هي مؤسسة إسرائيلية صرفة وليست مجرد منظمة صهيونية أميركية. فما هي ميمري وكيف تعمل ومن هو مديرها؟ وكيف تم افتتاح مكتب لها في العاصمة العراقية؟


    ميمري منظمة أهلية تأسست عام 1998 في العاصمة الأميركية واشنطن ولها فروع في لندن، برلين، والقدس، و"تهدف إلى متابعة وسائل الإعلام المحلية في الشرق الأوسط وترجمة ما يصدر عنها إلى اللغة الإنجليزية وتحليل الاتجاهات السياسية، الأيديولوجية، الاجتماعية، الثقافية، والدينية في المنطقة".

ترجمات ميمري تتبع باستمرار نهجا خاصا فهي إما أنها تعكس صورة سيئة عن العرب أو تقف مع الخط السياسي الإسرائيلي.

وقد أشار موقعها على الإنترنت في البداية إلى أن ثلاثة من أعضائها كانوا يعملون في الاستخبارات الإسرائيلية.

 والمؤسسة مدرجة في قائمة أعدتها وزارة الخارجية الإسرائيلية تحت عنوان "مؤسسات الأبحاث والمجلات الأكاديمية" الإسرائيلية، وهو ما يبدد أي شكوك في أن ميمري إسرائيلية، بالرغم من وجود مقرها في واشنطن.


   مؤسس "ميمري" هو الكولونيل ييغال كارمون، الذي خدم في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية لسنوات عديدة وأثناء عمله التحق بالجامعة العبرية وكتب رسالة ماجستير عام 1987 موضوعها "مفتي القدس الحاج أمين الحسيني وألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية".

وعمل منذ عام 1988 كمستشار للإرهاب في حكومة يتسحاق شامير، وشارك في الوفد الإسرائيلي لمفاوضات مدريد.

حول اتفاقيات أوسلو كان يقول: "هذه الاتفاقيات مريعة"، وحمل أيضاً موقفاً مناوئا حتى من "اتفاقية الخليل" الفرعية، التي خسر الفلسطينيون بإبرامها السيادة الكاملة على الحرم الإبراهيمي وجزءا كبيرا من البلدة القديمة للخليل، ووافق موقعوها على "مجابهة المنظمات الإرهابية بشكل منظم وفعال"، وكان كارمون يريد أن تحدد هذه المنظمات بالاسم في الاتفاقية.    


     إلى جانب كارمون كانت تعمل ميراف ورمسر كمديرة تنفيذية لميمري وحالياً تحتل منصب مديرة فرع "سياسات الشرق الأوسط" في "مؤسسة هودسون" (انديانابوليس). فالتر شتيرن، مدير هذه المؤسسة، هو أيضاً نائب رئيس "مؤسسة سياسة الشرق الأوسط في واشنطن" المعروفة باتجاهاتها الموالية لإسرائيل وارتباطاتها بأيباك، مجموعة الضغط الإسرائيلية الرسمية في الولايات المتحدة.

أحد أعضاء "مؤسسة هودسون" هو ريتشارد بيرل، الرئيس السابق لمجلس السياسات الدفاعية التابع لوزارة الدفاع الأميركية وأحد مخططي العدوان على العراق.

تفتخر "مؤسسة هودسون" بضمها ورمسر إلى فريقها وتصنفها بأنها "باحثة رائدة في شؤون العالم العربي"، وتقيم عملها السابق في ميمري بأنها كانت تساعد على "تثقيف صانعي السياسة" الأميركية حول "المسار المزدوج للسلطة الفلسطينية، التي تنادي بالسلام في الصحافة الغربية وفي مفاوضاتها مع السياسيين الغربيين، وتحرض على الكراهية والعنف من خلال وسائل الإعلام العربية الرسمية".

تصف ورمسر العدوان الأميركي على العراق بأنه "حرب أميركا في العراق"، وأنه لم يكن "بسبب البترول، أو رئيس تدفعه رغبة الانتقام أو طموحات استعمارية. لقد كانت حربا للدفاع عن النفس والحرية".       
 
     في العام 2002 وقف كارمون أمام "لجنة العلاقات الدولية" التابعة لمجلس النواب الأميركي، وأدلى بشهادته كـ "خبير" في وسائل الإعلام في الشرق الأوسط.

قائلا بأن "وسائل الإعلام العربية هي جزء من وسائل التأثير التي تشمل الأنظمة التعليمية، بالإضافة إلى المواعظ الدينية والتوجيه في المساجد"، وأشار إلى كتيب قدمه إلى اللجنة يسلط حسبما يدعي الضوء على هذه الاتجاهات.

الكتيب يحمل عنوان: "مدارس حزب البعث – دراسة للكتب المدرسية السورية"، وهي "دراسة" وضعتها ورمسر أثناء عملها في ميمري. وحتى لا يكون هناك أدنى شك بأنه يقصد أيضاً وسائل الإعلام الرسمية، قال: "وسائل الإعلام العربية التي تسيطر عليها الحكومات العربية تنشر مشاعر الكراهية تجاه الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة". وعناصر "عداء السامية العربي الحديث" تظهر في مجالات متعددة، من بينها: "كتابات مصدرها الغرب، كبروتوكولات حكماء صهيون؛ كره إسلامي قديم لليهود في القرآن والحديث؛ نفي المحرقة".
 
   افتتح مكتب ميمري في بغداد بعد الاحتلال الأميركي وكان مقره شارع "أبو نواس"، واعتبره البعض أول وجود علني للإسرائيليين في العاصمة العراقية بعد سقوطها في التاسع من نيسان العام 2003. ميمري نفسها ذكرت في أحد تقاريرها المؤرخ في السابع والعشرين من آب أنه يعتمد على رسائل إخبارية قام بجمعها "مكتب ميمري في بغداد". وقد كتب هذا التقرير الدكتور نمرود رفائيلي، وهو على ما يبدو إسرائيلي، ربما من أصل عراقي ويوصف بأنه "محلل كبير" في "برنامج الدراسات الاقتصادية للشرق الأوسط" التابع للمؤسسة.

"الرسائل الإخبارية" تعتمد على صحف بدأت بالظهور في العراق بعد الاحتلال، وبعد فحص تواريخ المقالات المجموعة يمكن الاستنتاج أن مكتب ميمري بدأ ممارسة نشاطه على الأقل منذ بداية شهر تموز 2003.
 
    في المقدمة القصيرة لتقرير رفائيلي يكرر الباحث ثلاث مرات كلمة "خيال" أو "خيالي": فالمقالات العراقية "غالباً ما تنزع إلى الخيال".

 ولأن الصحافة العراقية الجديدة "لم تعتد على حرية الصحافة"، فإنه لا "حدود لخيال مراسليها"، كاستخدام عبارة "الكيان الصهيوني" بدلا من "إسرائيل".

 وحتى لا يكون هناك أدنى شك بما يزعج المؤلف في "الخيال" العراقي، فإنه يوضح أن بعض الأخبار والتعليقات حول إسرائيل بشكل عام، واليهود العراقيين السابقين بشكل خاص "جاءت نتيجة لخيال جامح".

ما يقلق رفائيلي أن الصحافة العراقية امتلأت بالتقارير حول الوجود الإسرائيلي أو اليهودي في عراق ما بعد الاحتلال. ويلاحظ أن بعض ما جاء في الصحافة العراقية يجد قبولا لدى رفائيلي، كمبادرة ما يسمى بـ "اتحاد المحامين العراقيين" لدعم محاولات يهود عراقيين لاسترجاع أملاكهم، وهو ما لا يعلق عليه رفائيلي بتاتا.

 رفائيلي مهتم أيضا بمقالات خالد القشطيني حول اليهود العراقيين العام 2003، التي نشرت في "الشرق الأوسط" وأثارت جدلاً حول "مساهمة يهود العراق، والظروف التي أدت إلى إخلائهم من العراق"، على حد تعبير رفائيلي، الذي أعلن أنه سيخصص دراسة كاملة تتناول هذه المقالات. والسبب وراء هذا الاهتمام يقدمه رفائيلي نفسه عندما يتكلم حول "التأثير العميق لليهود في الاقتصاد والمجتمع العراقيين".


     عندما افتتح مكتب ميمري في بغداد قالت الدكتورة سعاد بهاء الدين الموصلي من جامعة الرافدين "كان العراق هو البلد الوحيد في العالم العربي، وربما في العالم أجمع، الذي يطبق العقوبة القصوى بحق من يقوم باستيراد منتجات إسرائيلية.

 هذه حصيلة احتلال العراق، وهو ما يؤكد اعتقادنا أن إسرائيل والولايات المتحدة هما وجهان لعملة واحدة" وأضافت بحسرة: "العراقيون لم يلفظوا من قبل كلمة ‘إسرائيل’ على الإطلاق وأشاروا إليها دائما بالعدو الصهيوني.

 من كان يتصور أن بغداد ستحوي في يوم من الأيام مركزا يخدم المخططات والمؤامرات الإسرائيلية؟".

 ولا نعرف ما أصبحت عليه مشاعر الدكتورة سعاد بعد أكثر من عام على افتتاح مكتب ميمري في بغداد وازدياد مؤشرات الاختراق الإسرائيلي للعراق، كان آخرها التحذير الذي أصدره ما يسمى بـ "الطاقم الإسرائيلي لمكافحة الإرهاب" التابع لوزارة الخارجية الإسرائيلية ويطالب فيه الإسرائيليين الموجودين في العراق بشكل شخصي الخروج من العراق فورا نظرا للخطر الأكيد المحيط بهم.

ولعل في ثنايا هذا الخبر ما يقول إن العراق بالرغم من الاحتلال الأميركي والاختراقات الإسرائيلية المتكررة ما زال يشكل الخطر الأكبر على إسرائيل وأمنها!

       
باحث في تاريخ الحضارات

التعليق