العرب والإعلام الفضائي

تم نشره في الأحد 16 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    أقبلت الدول النامية ومن بينها الدول العربية على استخدام التقنيات الجديدة للإذاعة والتلفزة والسينما، أو تقوية ما كان متوافرا لديها منه بحماس كبير، ولكن التنمية المرجوة لم تتحقق، ولم تقدر هذه الدول على اللحاق بدول العالم المتقدم، وتدل نتائج الأبحاث على زيادة تلك الفجوة وعمقها واتساعها الهائل، وثمة فجوة واسعة بين أفراد وفئات المجتمعات النامية نفسها، ويظهر كتاب "العرب والإعلام الفضائي" الذي صدر مؤخرا عن مركز دراسات الوحدة العربية والذي يضم مجموعة من الدراسات والندوات حول هذا الموضوع أن الكثير من الدول النامية تهدر الإمكانيات الشحيحة أصلا على شراء تكنولوجيا متقدمة، متطورة سريعة التغير بأسعار عالية لتحقيق هذا الغرض النبيل الطاهر والذي يحمل في الواقع معاني أخرى لها صلة بأمور أخرى.

     إن ما يميز هذا العصر بالفعل هو سيادة الثقافة الاستهلاكية في كل مجالات الحياة، وقد تم تقديمها باسم تجاوز الثقافة النخبوية وزيادة الاهتمام بالبعد الثقافي للطبقات الشعبية بعبارة أخرى جرى ترويج للثقافة الاستهلاكية تحت يافطة كسر احتكار المعرفة وحق الجماهير بالثقافة المبسطة، قدمت الثقافة الاستهلاكية كذلك بهدف إمتاع الطبقات الشعبية لكنها في الواقع لم تكن سوى تحويل الثقافة إلى سلعة للاستهلاك الجماهيري.

    وهذه الثقافة الاستهلاكية تتعمد إبراز قضايا ليست مهمة ولا جدية، فتغرق في تفاصيل الحياة اليومية وترفض كل مرجعية فنية أو ثقافية أو جمالية عامة، وبسبب غياب علم المستقبل عن الوعي الفكري في الوطن العربي وعدم الانتفاع من وظيفة العلم التي تتنبأ بالمستقبل،لم يتهيأ استخلاص حقائق علمية عن عالم الغد، ولم يتسن وضع ما يحتمل أن يقع لاحقا في الحسبان.

    ويعد التلفزيون الأجنبي الوافد ظاهرة جديدة بعد أن كان موضوع هذه الظاهرة كثير التردد كموضوع مستقبلي لذا فإن حلول هذه الظاهرة يعني أن المستقبل قد وصل، ولكننا لم ندخله كمشاركين فعالين بقدر دخولنا فيه مستقبلين نفتح العيون والآذان قبالة الشاشة الصغيرة في دهشة وفقط.

    ومع أن القنوات النافدة تشكل لقاء الجمهور العربي بالفكر الغربي والحضارة والثقافة الغربيتين إلا أن هذا اللقاء لا يشكل حوارا بين طرفين، إذ يتحدث طرف واحد فقط بينما يعد الجمهور العربي مجرد طرف مستقبل.

    وعلى ما يبدو فإن التجربة الأمريكية في توظيف الإعلام قد عادت إلى نقطة البداية وربما أبعد من ذلك، وهي اليوم تكرر أسلوب الإعلام الرسمي الموجه الذي اعتمدته الدول الشمولية والاتحاد السوفياتي السابق على وجه الدقة مع فارق نوعي هو اعتمادها على خطاب مباشر أيديولوجي مكان نوع آخر.

    وكانت أولى الخطوات التجريبية قد تمت على مستوى الصحافة المقروءة، فقد بدأت إدارة مجلة نيوزويك الأسبوعية تصدر هذه المجلة بطبعة عربية من الكويت، إلا أن المجلة كمطبوعة وبشكل عام لم تعد تحتل الترتيب المتقدم في وسائل الإعلام الأخرى وفي منافسة الصحافة والتلفزيون، بل تراجعت منذ أن توسعت الصحف اليومية في نشر الدراسات والتقارير التي كانت حكرا نوعا ما على المجلة كمطبوع دوري.

    وإذا كان الهدف الأمريكي الآخر من تأسيس قناة "الحرة" الفضائية وإطلاق راديو "سوا" ومجلة "هاي" هو تجميل صورة الولايات المتحدة الأمريكية في الوطن العربي فإنها بذلك قد خسرت نصف المعركة مقدما.

     وإذا كان إنشاء قناة الحرة نابعا ربما من الاعتقاد لدى المسؤولين الأمريكيين بأن مواقفهم وآراءهم وتصريحاتهم السياسية لا تصل بشكل جيد إلى المواطن العربي، أو بأن وسائلهم التي تعمل بالنيابة وبتوجيه غير مباشر أضحت مكشوفة وعاجزة عن أداء تلك المهمة أيضا، فإن الشيء الذي لا يمكن استدراكه ومعالجته بعد ذلك هو في فشل الحرة وغيرها من الوسائل الدعائية الأمريكية الموجهة إلى الوطن العربي في تحسين صورة الأمريكي القبيح الذي احتل العراق ومارس الظلم والقهر والتدمير، وغير هذا وذاك فإن التعددية الفضائية ستكون أوسع بكثير من فكرة ممارسة الهيمنة بالإعلام على الآخر .. وأن المتلقي في الوطن العربي حين يتجول بين الفضائيات العربية سوف يلغي اختيار التوقف لمشاهدة الحرة، لأنها أضحت في قناعته "حرة" التعبير عن الرأي الأمريكي فقط، ذلك الرأي الذي يعرف مسبقا، ولا يرغب في متابعته أو التعاطف معه.

التعليق