حراج المستشفيات الخاصة

تم نشره في الأحد 16 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

  كنت أتصفح إحدى الصحف المحلية على متن الملكية الأردنية في الطريق الى قبرص واستوقفني أحد الإعلانات. فأحد المستشفيات الخاصة في الأردن يعلن عن استعداده التام لإجراء عمليات مثل تصحيح البصر وإزالة الشعر الزائد بالليزر وإجراء أطفال الأنابيب وكافة عمليات التجميل.

  الى هنا ليس في الإعلان شيء جديد. ويبدو أن ادارة المستشفى أدركت ضرورة وأهمية صناعة الإعلانات خاصة في ظل وجود منافسة من مستشفيات أخرى تقوم بإجراء عمليات مماثلة. إلا أن الذي استفزني في الاعلان هو ورود العبارة التالية وبالبنط العريض: "بأسعار منافسة جدا مع إمكانية التقسيط بدون فوائد". لوهلة ظننت نفسي أمام إعلان لأحد معارض الأثاث أو السيارات.

  وعندما دققت النظر وجدت أن الاعلان صادر عن أحد المستشفيات التي نعرفها جميعا في الأردن. وفي هذه الاثناء مرت الطائرة بمطبات هوائية مزعجة وقلت في نفسي الله يستر! وتخيلت لو أن إحدى شركات الطيران تعلن أن طائراتها لا تتأثر بالمطبات الهوائية وتقبل الدفع بالاقساط دون فوائد!

  أستغرب أن يصل بنا الحال الى هذه الدرجة من الفجاجة في التصريح عن طرق الكسب الفاحش. فهل وصلت فئة البرجوازية الأردنية الى هذا الحد من عدم احترام مشاعر الآخرين وهي تعلن عن أحدث الطرق في استغلال صحة  الخلق والعباد؟ والأهم من ذلك فهل وصلت مهنة الطب المحترمة والانسانية الى هذا الحد من التسفيه؟! نقرأ أحيانا اعلانات تقول سيارة بالتقسيط وبدون دفعة أولى وبدون كفيل فنهرع الى هذا المعرض لنجد أن الاسعار في "العلالي".

  ونسمع كثيرا قول الزبائن مثل "ذهبت لأشتري سيارة حسب الاعلان ووجدتهم نصابين". أستبعد وأتمنى أن لا يكون هذا المستشفى كذلك.

  فماذا يجري في مهنة الطب التي اعتقدت دوما انها فوق الاعتبارات المادية وانها الاكثر انسانية؟ سؤال بحاجة الى معالجة من الجهات المعنية.

  أقر للمستشفى بحق الاعلان عن نفسه وعن انجازاته الطبية التي ليس لها نظير! ولكن لا يمكن الا أن أختلف مع اسلوب الترويج واستغلال الناس البسطاء في صحتهم التي لا يمكن الاتجار بها. ولا أستغرب أن نجد اعلانات عن توفر كلى وعدسات وقرنيات العين بألوان مختلفة وبأسعار مختلفة.

  اتقوا الله بمهنة الطب وحافظوا على هذه المهنة من الاساءة. فلا يوجد من يحاسب المستشفيات إن أخطأت وتتنطح نقابة الأطباء لكل قضية سياسية يعجز عن حلها امبراطوريات ولا نسمع لها قول في ممارسات المستشفيات.

  فصديقي أستاذ دكتور في الجامعة الاردنية فقد البصر بإحدى عينيه في مستشفى خاص بسبب خطأ الطبيب وعدم توفر الاجراءات الصحية الاساسية والا كيف دخلت هذه الجرثومة اللعينة في عينه؟!! لم نسمع بأي إجراء اتخذ بحق الطبيب أوالمستشفى الذي على ما يبدو كانوا يفكرون في صياغة الاعلان اثناء اجراء العملية.

  على الحكومة التي تتغنى بتطوير االقطاع العام ان تلتفت الى مهازل القطاع الخاص وضبطه. فصحة المواطن الاردني لا يمكن تركها لتكون تحت رحمة رجال الاعمال الذين ليس لهم هم سوى جمع الاموال.

  فعلى عاتق الحكومة تقع مسؤولية تطوير نظام تأمين صحي راق ونوعي لكي لا يلجأ المواطن المغلوب على امره للإقتراض والوقوع في الديون من أجل صحته.

  وكم كان جميلا لو أعلن المستشفى عن يوم طبي مجانا في إحدى القرى النائية اسهاما في عملية التنمية الشاملة التي تقع على عاتق الجميع بدلا من النزول الى مستوى عقلية المزاد.

التعليق