إشكالية العقلية.. والممارسة الأميركية في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 15 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

عندما نتحدث عن إشكالية السياسة الأمريكية في أهم قضايا العرب المعاصرة؛ أعني الشرق الأوسط فإن علينا كي نكون موضوعيين أن نمارس درجة عالية من القهر الذاتي، بمعنى القفز فوق انفعالاتنا ومخزوننا الكبير من الإحساس بالإحباط في (الحد الأدنى) وبالمرارة (في الحد الأعلى).

في واقع الحال يجب علينا أن نعترف أن هنالك عقليتين مختلفتين على المستوى السياسي فضلاً عن الحضاري والثقافي،  وقد ضاعف من التباعد بين هاتين العقليتين عدم وجود حوار بينهما، أضف إلى هذا ردود الفعل الوجدانية العربية على نتائج الممارسة الأمريكية للسياسة في المنطقة، وعلى رأسها الدعم المفرط لإسرائيل.

 

العقلية العربية امتازت بأنها بنت مفاهيمها السياسية على مفاهيم أخلاقية (وبالمناسبة هنا فإن تعريف الأخلاق هو ما يجب أن يكون، بينما تعريف السياسة هو فن الممكن)، وكان رد الفعل على عدم تفهّم السياسة الأمريكية لهذه العقلية (الأخلاقوسياسوية) والنتائج المأساوية المترتبة عليها من انهزامات وانكسارات… وما ترتب عليها من تغذية خلفية راجعة تعزز تلك العقلية، قد تحول بها إلى عقلية سياسية بوليسية تنظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها المسبب الأساسي لكل مآسي الشعوب العربية .

 

رواد هذا التحليل لا يفهمون أن السياسة الأمريكية محكومة بعناصر الضغط الداخلية والتي عرف الصهاينة والإسرائيليون كيف يستمرون فيها، كما لا يفهمون كيف لا تنظر الولايات المتحدة الأمريكية التي نصّبت نفسها أمينة على الحريات وحقوق الإنسان، إلى قضية الفلسطينيين كأولوية على جميع سياساتها تاريخياً كسياسات الانتعاش الاقتصادي لأوروبة الغربية الرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية ومحاولة إبعاد الاتحاد السوفييتي عن المنطقة في ظل الحرب الباردة والعلاقة الاستراتيجية مع إسرائيل… إذ إن المظلوم يشعر أن العالم بأسره يجب أن ينظر إليه باعتباره (مركز العالم) لأن آلامه هي مركز اهتماماته، وخصوصاً إذا كان أحد الأطراف يساند إسرائيل بصورة لا يمكن وصفها إلا باعتبارها مساندة عمياء.

 

على التوازي مع هذه العقلية الأخلاقية، نشأت العقلية السياسية البراغماتية الأمريكية والتي أيضاً تنظر إلى العالم من خلال مركزية الذات الأمريكية أيضاً؛ أي تلك العقلية السياسية التي تعتبر المصلحة الأمريكية فوق كل مصالح، أضف إلى هذا أن السياسة الأمريكية قد حاولت تعميم نموذجها في العمل السياسي الذي يعتمد أسلوب (المساومة) في حل النزاعات وخصوصاً النزاعات الإقليمية وبدا ذلك بوضوح من خلال الطروحات التي قدمها الطرف الأمريكي في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في النصف الأخير من القرن الماضي وفي المفاوضات السورية الإسرائيلية، حيث بدا واضحاً أن سياسة المساومة تقفز في كثير من الأحيان فوق الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن، الأمر الذي لا يُفسر في المنطقة العربية باعتباره انعكاساً مباشراً للمفاهيم السياسية القائمة على المساومة، إنما يفسر بالانحياز الأعمى لإسرائيل وبمحاولة ضرب مفهوم العدالة والحق عبر المساومة بعد أن تم ضربه من خلال منطق المصالح.

إننا نستطيع أن نفهم مفهوم المساومة في العلاقات الدولية والمفاوضات، لكننا في الوطن العربي لا نستطيع أن نتفهّم مسألتين: الأولى كيف يمكن للمساومة أن تكون بديلاً عن قرارات مجلس الأمن (وبالتالي لا نقبل بأن تكون الولايات المتحدة بديلاً عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن)، ولا بد أن نتساءل هنا هل هذا يؤذن بتغيير كل المفاهيم التي قام عليها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية؟ ثم من هي المرجعية لمفاهيم العالم؟ وهل يمكن اعتبار المفاهيم الأمريكية هي المفاهيم العالمية وألا يعني ذلك إلغاء الآخرين بمن فيهم أوروبا والعالم الثالث؟ ثم ألا يتناقض هذا في العمق مع مبدأ الديمقراطية وحقوق الإنسان اللذين يكمن جوهرهما بالاعتراف بالآخرين؟ ثم هل المطلوب أن يقبل العالم ولو بقوة السلاح بامبراطورية أمريكية ذات طابع لا مركزي يقوم كل حيز فيها على تأمين مصالح الولايات المتحدة وحدها وحتى بدون الحد الأدنى من الاعتماد المتبادل والسيادة؟ ثم هل هذا سيعني ضرب أهم المفاهيم التي أنتجتها التجربة السياسية للبشر ومنها (السيادة) ولو النسبية وحقها في تقرير المصير…؟ ومن الذي يقبل بكل ذلك؟ ثم ألا يؤذن ذلك بصراع مرير دفعت الولايات المتحدة نفسها والعالم إليه دون أن تعرف عقلانياً متى تنتهي؟

 

الثانية: إننا لا نستطيع أن نتفهّم كيف يمكن لدولة تعتمد مبدأ المساومة ألا تعتمد مبدأها عندما تعرضت للهجمات الإرهابية مثلما قامت بذلك بعض الدول الغربية التي لم تفتح النار على الإرهابيين؟ ثم كيف يمكن لمفهوم سياسي أن يكون انتقائياً ومزاجياً إلى درجة شن حرب  والدخول في معركة مع ما يعلن أنه ما بين 40-60 دولة، (إرهابية أو تدعم الإرهاب أو في محور الشر أو قبل محور الشر…!؟) وعليه فإذا كان المفهوم نفسه الذي يقضي على الحقوق ويضرب العدالة في منظور العرب ليس مقدساً في الأداء الأمريكي فكيف ينال مصداقية لدى الشعوب لتعميمه وقبوله والعمل عليه.

في آلية التعامل الأمريكية مع قضايا المنطقة تنبع إشكالية آلية تجزيئ القضايا وتعليق الحلول الشاملة والدراماتيكية والجذرية واعتماد سياسة وسطية يشكل منطق المساومة سابق الذكر جزءاً منها. الأمر الذي أرسى سياسة (الخطوة-خطوة) والتي أدت عملياً إلى خطوة إلى الأمام، وخطوات إلى الخلف، لكننا لا نقبل أن نتفهمها لسببين أولهما أنها طريقة غير علمية لأن الكل ليس مجموع أجزائه إنما هو هذه الأجزاء والعلاقات الناشئة عنها والتفاعلات البينية، وثانيها: أنها طريقة لإدارة الأزمة وليس لحل الإشكالية، وهذه الإدارة قد أثبتت التجربة معها أنها فاشلة لأن الشعوب المقهورة لن تتعب وهي قد وصلت إلى حد تشكيل نموذج فريد من الصراع والكفاح لدى العرب وهو نموذج القنابل الاستشهادية فيما شكلت لدى الطرف الإسرائيلي نزعة نحو المزيد من اليمين والعنصرية وصولاً إلى الأبارتهيد الذي يريد أن يقيم اسواراً بين البشر بدلاً من حل المشكلة

 

المطلوب اليوم هو مدّ الجسور. فالعرب من ناحيتهم قد كرسوا العقلانية السياسية وهم لا يعادون المصالح الأمريكية لكنهم يريدونها مصالح متبادلة. وهم أيضاً يكافحون ضد الإرهاب وبالتالي فإن مصالح الولايات المتحدة تكمن مع العرب، وليس مع إسرائيل التي ركبت موجة مكافحة الإرهاب واستفادت من الخلط الرهيب بين المفاهيم وعلى رأسها مفهوما الإرهاب والمقاومة، إذ غدا كل عمل له صبغة العنف مشمولاً تحت عنوان الإرهاب. وهذا الخلط لا يمكن إدراجه إلا تحت تعبير (عُصاب الكلمات)، وهذا العصاب الأمريكي قد قاد شارون إلى أن يلعب عليه لإقناع الولايات المتحدة أن (الاحتلال) يقاوم (الإرهاب) حيث كل عنف ضد الاحتلال يساوي (إرهاباً)، وهذا ما يدغدغ عُصاب الكلمات لدى الولايات المتحدة، والتي علينا أن نحذّرها من أن هذا السقوط في دعم إرهاب الدولة لدى إسرائيل سيقود إلى مزيد من العنف ومزيد من الإرهاب الحقيقي الذي سيطال الولايات المتحدة مرة أخرى، لأن التواء المفاهيم يقود نحو رد فعل سببه الأساسي هو الشعور بالظلم.

 

إذن، يجب أن تدرك الولايات المتحدة أن مصلحتها تكمن في إقامة العدالة في حل مشكلة الشرق الأوسط. وأن حوار الحضارات لا يجب أن يكون غاية إنما هو وسيلة للتعايش المطلوب بين تلك الحضارات والتي بدونها لا تكون هنالك إمكانية لاستمرارية النوع البشري. إن هذه المهمة لم تعد مجرد خيار إنما قد غدت ضرورة. وكل الخطورة تكمن في عدم استجابة الطرف الأمريكي لمغزى ضرورة التجاوب للأيدي التي تمتد إليه.

 

ishueibi@scs-net.org

التعليق