المياه ...عقدة المنشار في العلاقات الهندية ـ الباكستانية

تم نشره في السبت 15 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

المباحثات المكثفة والماراثونية التي اختتمت في العاصمة الهندية نيودلهي بشأن المطالبة الباكستانية بتوقف الهند عن بناء سد بغليهار على نهر جناب الذي ينبع من كشمير الخاضعة للسيادة الهندية ويصب في باكستان لم تفلح في تغيير مواقف نيودلهي المصرة على المضي قدماً في هذا المشروع ، الذي ترى فيه باكستان خطراً ماحقاً يهدد أمنها المائي  ، ويتعارض كلياً  مع الاتفاق المائي الموقع بين البلدين منذ عام 1960و بضمانة البنك الدولي، ولعل المقلق باكستانياً هو ما يتردد عن بدء الهند ببناء سدود أخرى ومنها سد كيشان كنغا على نهر نيلام في كشمير، وهو أمر ينذر بتداعيات أشد خطورة،  وينسف بالمحصلة أجواء الانفراج التي سادت علاقات البلدين في الفترة الأخيرة .

 

هذه النتيجة لمفاوضات المياه استمرت لأربعة أيام وشهدت ست جلسات امتدت لعشرين ساعة أثارت الكثير من الشبهات والأقاويل بشأن إمكانية تسوية مسائل أشد تعقيداً وخطورة مثل كشمير المتنازع عليها وهو أمر سيؤثر بشكل مباشرعلى تسوية لب الخلاف الباكستاني  الهندي ،  وكذلك على إجراءات بناء الثقة بين البلدين ، ولعل هذا ما أشار إليه الناطق باسم الخارجية الباكستانية مسعود خان عقب اختتام تلك المباحثات حين قال بأن فشل التوصل لتسوية سد بغليهار سيضر بإجراءات بناء الثقة بين البلدين.

 

المتداول الآن في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أن المحادثات الثنائية بين البلدين فشلت طوال العقود الماضية في تسوية النزاعات الثنائية بينهما وعلى رأسها القضية الكشميرية ولم تسفر عن أية نتيجة وهو ما يدفع باكستان إلى التوجه لمؤسسة عالمية مثل البنك الدولي الضامن لهذه الاتفاقية .

 

إسلام آباد التي لوحت في أكثر من مناسبة بنقل المسألة إلى البنك  الدولي عجزت عن تنفيذ هذا التهديد لسبب بسيط وهو التحذير الأميركي لها من مغبة الإقدام على هذه الخطوة  كونها ستضر بأجواء الانفراج السياسي الذي شهدته علاقات البلدين وأثارت جوا من الارتياح في الوسط الاقليمي والدولي وبالتالي أي تعكير للعلاقات الهندية الباكستانية في هذا الوقت بالذات لن يكون في المصلحة القومية الأميركية الممثلة في وقوف باكستان وتفرغها إلى جانب واشنطن في الحرب على ما يوصف بالإرهاب على أساس أن باكستان ستكون منهمكة في قضية بعيدة كل البعد عن اهتمامات واشنطن المطلوبة من دولة مثل باكستان وهي ملاحقة عناصر القاعدة وطالبان والقبائل المتعاطفة معهم.

 

التساؤل المطروح الآن في العاصمة الباكستانية إسلام آباد لماذا تحظر نيودلهي على خبراء مائيين باكستانيين زيارة موقع سد بغليهار على الرغم من الأضرار الفادحة التي يلحقها بالاقتصاد الباكستاني خصوصاً وأن هذا المشروع يتواصل العمل به، بالإضافة إلى أن عدم البت بشرعيته وقانونيته،ما سيجعله في غضون سنوات معدودة أمراً واقعاً ومفروضاً ، وبالتالي ستدفع الأجيال الباكستانية المقبلة ثمناً باهظاً لتقاعس القيادة الحالية عن الدفاع عن حقها المائي هذا ، فالمشروع سيحول باكستان كما يرى رئيس المخابرات العسكرية الباكستانية السابق الجنرال المتقاعد حميد جول إلى صحراء قاحلة ، ويضيف خليفته في نفس المنصب الجنرال جاويد ناصر القول بأن نجاح الهند في بناء هذا السد سيغريها في  بناء سد على نهر جهلم وهذا سيعرض سد منغلا الباكستاني إلى الجفاف والخطر الجدي .

 

 مثل هذا الواقع عزز من أرضية المتشددين الباكستانيين في أن الهند لم تكن يوما ما جادة في المحادثات المثمرة الهادفة إلى التوصل لتسوية مرضية للطرفين، خصوصاً وأن مصدر الأنهار الباكستانية الخمسة ينبع من كشمير الخاضعة للسيادة الهندية وعلى هذا دعا مؤسس باكستان محمد علي جناح كشمير برقبة باكستان ودعاها رئيس وزرائها السابق ذو الفقار علي بوتو بشريان باكستان الحيوي  .

 

فمنطق العناصر المتشددة الباكستانية الآن يتعزز في الشارع الباكستاني مستدلين بأن باكستان لم تجن من سياسات التنازل والمساومة التي تقدمها إلى الهند إلاّ مزيداً من الخسائر؛ فعلى الرغم من تسامحها وصمتها على بناء الجدار العازل في منطقة متنازع عليها دوليا إلا أن ذلك لم يحل دون استمرارية توجيه الاتهام الهندي إلى باكستان في سماحها للمتسللين الكشميريين بعبور الحدود، كما أن حظر نشاط الجماعات الكشميرية المسلحة،  وتخلي باكستان عن قرارات شرعية أممية تخص حق تقرير مصير الكشميريين، وقبولها ببناء إجراءات الثقة بين البلدين كل ذلك لم يمنع الهند من طلب المزيد ، ولم يدفعها إلى تقديم أي رد إيجابي على هذه التنازلات الباكستانية .

 

والتساؤل الآخر المطروح إن كانت الهند ترغب في تبوؤ مقعد في مجلس الأمن الدولي والذي هو أعلى سلطة حكمية فعلية في العالم فكيف يمكن لها أن تضرب بعرض الحائط باتفاقية وقعت عليها في عام1960 وبحضور مؤسسة دولية عريقة مثل البنك الدولي؛ إذ نظمت تلك الاتفاقية حصص المياه بين البلدين ، ولكن مع هذا ترفض تطبيق الاتفاقية وترفض أيضا دعوة الضامن لهذه الاتفاقية والذي هو البنك الدولي ليدلي بشهادته ويبت في محل النزاع الحاصل بين البلدين .

 

أما المطلوب الآن بشأن تسوية النزاعات المائية الحاصلة بين بلدان المنطقة فهو تفاهم إقليمي منطقوي ينظم العملية النزاعية المائية‘  فهناك نزاع مائي بين الهند والنيبال وكذلك بين الهند وبنغلاديش وكذلك بين الهند وباكستان والحل العملي هو تشكيل لجنة اقليمية تسعى  إلى تسوية كل المسائل العالقة والمختلف فيها حسب اتفاق هلسنكي المعمول به في هذا المجال ، فلا أحد في المنطقة يتحمل تكاليف الحرب بينما الجميع غارق حتى أذنيه في تخفيف مستوى الجوع الذي يعانيه أبناؤه وليس الفقر، خصوصاً بعد كوارث تسونامي والفيضانات وموجات المد الزلزالي التي ضربت المنطقة والتي تهدد بعودة تسوناميات ربما لا سمح الله ولا قدر ، وبالتالي على دول المنطقة أن تعي لحظة الحقيقة وتتحامل على جراحها وتسعى إلى تسوية جماعية مرضية،  وذلك بما يتوافق مع الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا المضمار ، ويضمن أيضا مصالح الدول المتضررة ، فالتوصل إلى أي اتفاق هو نصر للجميع وخسارة الكل هو العكس  .

التعليق