ولادة مفهوم "المثقف" في المجتمع العربي

تم نشره في السبت 15 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    عندما دانت إحدى المحاكم الفرنسية ضابطاً فرنسياً يدعى درايفوس في عام 1894 بتهمة تسريب معلومات عسكرية إلى ألمانيا، عدوة فرنسا التقليدية، ظهرت القضية وكأنها مرتبطة بقصة تجسس وخيانة وطنية يستحق مقترفها الإهانة والإدانة العظمى، غير أن تعقّد الوضع الاجتماعي السياسي في فرنسا في ذلك الوقت حوّل قضية درايفوس إلى قضية شأن عام بحيث تحولت إلى قضية سياسية كبرى عصفت بالحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وقسمت الشعب الفرنسي ونخبته إلى مناصر لدرايفوس ومعاد له. إضافة إلى ذلك، فقد أعطى مشاركة الأدباء والمفكرين الفرنسيين في الصراع حول هذه القضية الحياة الثقافية الفرنسية صورة جديدة برزت في ظهور أول بيان في تاريخ الفكر الغربي توقعه جماعة من رجال الأدب والفكر تسمي نفسها (جماعة المثقفين) وأطلقت على بيانها اسم (بيان المثقفين) وقد نشر في جريدة "الفجر" في عام 1898 محتجة على الحكم الصادر في حق درايفوس. ومطالبة العدالة بأن تعيد النظر في القضية، وقد حمل البيان وقتها توقيع أسماء كبرى مثل اميل زولا وأناتول فرانس ومارسيل بروست وليون بلوم.

 

     في هذا التاريخ بالضبط إذان، تم إعلان ميلاد المثقف وشهدت الحياة السياسية الفرنسية حينها صراعاً حاداً حول المفهوم، بحيث قسمت قضية درايفوس تلك، المشهد الثقافي الفرنسي إلى صراع بين جيلين، جيل الأكاديمية الفرنسية العريقة وجيل اليسار الفرنسي المتجدد آنذاك، وقد تحول الصراع حول مفهوم المثقف إلى صراعٍ يُخفي بداخله تيارين، تيار يرى أن مصلحة الدولة هي الأهم ويجب العمل على ترسيخها وتدعيمها، وتيار آخر يعتبر أن المثقف الذي أخذ وظيفة التعبير عن المجتمع عليه أن يُحاسب هذه الدولة وأن يراقب ويتابع أنشطتها ووظائفها.

 

    تبدو ولادة المثقف وفقاً لهذا التأريخ لصيقةً برحلة عبور المثقف من الحقل الثقافي إلى الحقل السياسي أو بالأدق "فضاء الشأن العام" على حد تعبير هابرماز، لكن أين تبدأ رحلة العبور تلك، وأين تنتهي بالضبط؟ لا تبدو الحدود واضحة على الإطلاق، لكن على العموم، يظهر هذا التطور مرتبطاً بالحراك الاجتماعي والتغير السياسي الذي مرّ به المجتمع الفرنسي خصوصاً والمجتمع الغربي عموماً، حتى هيّأ الأمر للقرن الثامن عشر لظهور المثقف بصيغة صاحب السلطة المعنوية والرمزية الناشئة حديثاً وبوصفه الضمير الذي يتكلم معبراً عن هموم المجتمع وهواجسه وآلامه.

 

    لكن،هل تتطابق شهادة ميلاد المثقف في المجتمعات العربية مع السيرة الذاتية لولادته في الغرب، لا أجد نفسي ميالاً كما فعل الكثير من الكتاب والباحثين العرب إلى البحث في جذور كلمة (مثقف) وأصلها في القواميس والمعاجم العربية كما فعل الجابري في كتابه (المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية )، فالقضية أو الوظيفة المرتبطة بولادة مفهوم المثقف أبعد من أصلها اللغوي وترتبط ارتباطاً حميمياً بأدائه الفكري والمعرفي وحتى السياسي، ولذلك من الصعب فصل الأصل التاريخي لمفهوم المثقف في المجتمع العربي عن التطور التاريخي والاجتماعي والسياسي لتطور هذا المجتمع.

 

     لقد حاول الجابري في مؤلفه السابق الذكر أن يعمل على تبيئة مفهوم المثقف من خلال البحث عن المعنى الإشكالي الذي يتطلب من مفهوم المثقف أن يؤديه ثم عمل على تطبيق ذلك على الحضارة العربية الإسلامية ليرى خلال تاريخنا المتطاول من يستحق أن يوصف بلفظ (المثقف) من الفقهاء أو الفلاسفة أو علماء الكلام ، وعلى الرغم من أن محاولته بقيت مجتزأة وغير قادرة على قراءة الحضارة العربية الإسلامية من داخل حقلها الخاص وعن طريق مصطلحاتها التداولية الخاصة بها إلا أن محاولته تمتعت بالجرأة عن طريق توظيفها أدوات ومناهج معرفية غربية في قراءة النص التراثي وتمكنت من إضاءة الكثير من الجوانب الإشكالية لا سيما فيما يتعلق بعلاقة الفقيه بالسلطة وصلته بالمجتمع وإظهار الطابع الإشكالي لهذه العلاقة خلال التاريخ العربي الإسلامي .

 

     أما محاولة علي أومليل في كتابه (السلطة الثقافية والسلطة السياسية ) فقد بدا زاهداً في الدخول في الجدل المفاهيمي حول مفهوم المثقف وعلاقته بالحضارة العربية بقدر ما أراد أن يبحث عن الدور السياسي الذي كان يؤديه المثقفون في الحضارة العربية وبروز سلطتهم المعنوية التي كانوا يمارسونها في الضغط على السلطة السياسية ودخولهم في نوع من التنافس الخفي حيناً والظاهر أحياناً أخرى مع السلطة السياسية على المجال العام القائم في المتخيل الشعبي .

 

    فالمثقف يرتبط به إذاً دورٌ سياسي بدا واضحاً منذ بداية صك المفهوم مع حادثة درايفوس وحتى الآن ، ويتجلى في الاهتمام بالشأن العام والدفاع عن قضايا المجتمع كما وجدنا لدى الثقافة الروسية ، في إطلاق صفة (الأنتلجينسيا ) على المثقفين الذين يناضلون من أجل تحقيق أهداف سياسية ثورية، في حين أن مفهوم (العالِم ) الذي يقترحه البعض كبديل عن مفهوم المثقف ذي الأصل الغربي كما يرون،  يرتبط بالحقل المعرفي وليس السياسي والذي أصبح يعني في الوقت الحالي الحقل الأكاديمي ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم تولّد الحضارة العربية الإسلامية مصطلحاً يعبر عن الأداء السياسي لدور الفقيه أو عالم الكلام أو الفيلسوف.  ربما يمكن إرجاع ذلك لأن وظائف هؤلاء جميعهم كانت تنحصر ضمن حقلهم المعرفي في حين أن الحقل السياسي غالباً ما كان حكراً على طبقة السلطان والجيش وأكبر دليل على ذلك ضعف الفقه السياسي مقابل تضخم الجوانب الفقهية العبادية وغيرها من شؤون الحياة المختلفة ، وحتى الأدب السلطاني الذي نشأ متأخراً والذي يطلق عليه في الغرب أدب مرايا الملوك فإنه لا يبرز نوعاً من الاستقلالية في التحليل ونقل الخبر بقدر ما يعبر عن أدب سياسي يصب في خانة تعظيم السلطان وإعلاء شأنه ورفع منزلته ، فدور الفقيه السياسي كان خجولاً وحين كان يمارسه فقد كان يؤديه من خلال زاويته الفقهية عندما يجد السلطان أو الخليفة قد انتهك حرمة الله في أحد أحكامه .

 

    وهذا ما يوضحه الفقه نفسه ، عندما يرفض الخروج على الحاكم خوفاً من الفتنة إلا حين يقوم بمنكر أو كفر بواح ، فتأدية  دور الفقيه من أجل إصلاح الشأن العام والمشاركة فيه كان ضعيفاً ومعدوما ، وهذا ما نلحظه في عصور الانحطاط بشكل جلي ، وإن كان موجودا قبل ذلك ، فالغزالي رغم مؤلفاته الضخمة لا نلحظ حضوراً لذكر الحملات الصليبية رغم حدوثها في عصره، أما ابن عابدين فقد كتب حاشيته في حي القنوات بدمشق في منزله وكان الصليبيون ينتهكون حارته وحيه ، فضعف الدور السياسي الذي أداه الفقهاء في التاريخ الإسلامي جعل من توليد مصطلح يدل على الدور ترفاً لا معنى له بل ولا وجود له ، لذلك أرى أن كلاً من مفهوم المثقف والعالم يختلف عن الآخر؛  وكل منهما يؤدي دوراً مختلفاً في حقله المعرفي والسياسي بحكم اختلاف النسق الاجتماعي في كلا الحضارتين العربية والغربية ، وليس مطلوباً أن نحاسب كل حضارة على عدم قدرتها على توليد المفاهيم الخاصة بحضارة أخرى، بل يجب قراءتها ضمن مجالها التداولي الخاص كما يصر على ذلك طه عبد الرحمن باستمرار ، وغياب مثل هذا النوع من المفاهيم تكون الإجابة عنه في قراءة المتن الاجتماعي والتطور التاريخي ولا تتم قراءته بسبب الفقر المعرفي والتخلف الذهني كما يحب بعض المستشرقين أن يسم الثقافات الأخرى المختلفة عن ثقافة المركز المتمثلة في الوقت الحالي في الحضارة الغربية .

التعليق