ديمقراطية منزوعة الدسم

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

لم تنتظر اسرائيل طويلا حتى اعلنت بعد ساعات من انتهاء عمليات الاقتراع في الانتخابات الفلسطينية ان هذه الانتخابات هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وربما كان هذا التصريح متعجلا ومتهورا من الحكومة الاسرائيلية, فهناك عملية ديمقراطية اخرى ليس لها مثيل في المنطقة ستتم بعد ايام في العراق تحت رعاية وحماية الاحتلال الامريكي كما كانت تجربة الديمقراطية الفلسطينية تحت ظل الاحتلال الصهيوني.

 

والمدهش ان الحرص العربي وقبله الامريكي والدولي على اجراء الانتخابات واختيار القيادات عبر صناديق الاقتراع, هذا الحرص يبلغ قمته في الانتخابات الفلسطينية والعراقية, فالعرب ودول الاقليم وامريكا تدعو العراقيين للمشاركة والتوجه الى صناديق الاقتراع, بينما لا نجد اي حرص على حق بقية الشعوب العربية ان تذهب الى الصناديق في الانتخابات ذات المرشح الواحد او نصف المرشح, او تلك الانتخابات ذات المواصفات العربية التي يتم انتخاب الرئيس فيها بالتصفيق؛ وهذا ما لم يتوفر في الدول المتقدمة, ولم تستطع تكنولوجيا الغرب ان تخترعه.

 

لكن العمليتين الديمقراطين تحت الاحتلالين الامريكي والاسرائيلي تفتقدان لأدنى قواعد الديمقراطية لأن الشعبين الفلسطيني والعراقي يفقدان اهم ما تحتاجه الشعوب وهو الحرية والاستقلال, والقيادة التي يتم انتخابها في فلسطين ليست لدولة ولا لحكم ذاتي بل لسلطة لا تملك امر نفسها, فالراحل ياسر عرفات قضى اخر سنوات حكمه وعمره لا يستطيع مغادرة مقره وحتى مدينة رام الله, والحكومة في العراق ظل من ظلال ادارة الاحتلال وليست تعبيرا عن حالة استقلال عراقي, وحتى لو كانت الانتخابات في فلسطين حرة نزيهة وكانت الصناديق شفافة في الاقتراع والفرز؛ فهذا لا يعني ان ما جرى انتخابات ديمقراطية, فالمهم هو شكل السلطة والقيادة التي ستفرزها الصناديق وماذا تملك من امرها, فما قيمة ان يفوز ابو مازن بانتخابات نزيهة بينما لا يملك ان يمنع اجتياح قوات الاحتلال لأي قرية او مدينة فلسطينية, وهذا ما ينطبق على العراق.

 

انها ديمقراطية منزوعة الدسم وسر ضعفها ليس في شفافية الاقتراع والفرز بل في بنية العملية السياسية التي افرزت هذه الديمقراطية؛ ومن محاسن الاقدار ان هذه الديمقراطية (الدايت) تتم بدعم وحماس من اصحاب مشروع الشرق الاوسط الكبير والدول التي تنادي باصلاح عالمنا العربي او الاسلامي.

 

لا فرق بين رئيس ينتخب بالتصفيق واخر يتم تتويجه تحت ظل الاحتلال, لكن يبقى فرق كبير بين انتخابات فلسطين والعراق, فالاولى تجرى بينما يرفض حتى المشاركون فيها الاحتلال, بينما الثانية يتحمس لها من يرون في قوات الاحتلال قوات صديقة.

التعليق