انتخابات العراق: سمك ديمقراطي في المحيط الأميركي

تم نشره في الجمعة 14 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

يفترض الفكر السياسي الاختياري للحكم, منذ بواكير تداوله قبل الاف السنين, وجود أركان اساسية لاتمام العملية وأهمها: الناخب والمرشح للانتخاب من شعب واحد ينتمي للاقليم (الوطن) وسدة حكم في اقليم الشعب نفسه كي يتربع عليها الفائز لادارة شؤون الحكم وفق برنامج مطروح على الناخبين. وتبقى الجوانب الاخرى مثل الشروط التي ينبغي توفرها في الناخب والمرشح من حيث العمر والصفة القانونية والاعتبارية وطريقة الانتخاب, وربما حتى لون صناديق الاقتراع, والحملة الانتخابية وما الى ذلك, تفاصيل توافقية ترسمها سمات الارث الديني والاخلاقي الحضاري والسياسي والاجتماعي لكل شعب من الشعوب. وقليلا ما تتشابه الممارسات السياسية والانتخابية لاختيار قادة البلدان لانها عرضة لعدد كبير ومتنوع من العوامل, غير ان تلك الاركان الاساسية تحدد معالم الاختيار السياسي ومدى نجاحه في تحقيق الديمقراطية.

 

والديمقراطية في العراق تعهد أميركي بريطاني روجت له حكومتا واشنطن ولندن كسلعة سياسية اساسية مقابل قبول العراقيين بتغيير نظام الحكم في بلادهم. تلك هي الصفقة التي شكلت الاستراتيجية المعلنة من احتلال العراق وساهمت في الدعاية لها عناصر "أجنبية" يتمتع بعضها بأصول عراقية أو ايرانية وبعضها الاخر ايراني وغير عراقي (أجنبية قانونيا لانها لم تعد تحمل الجنسية العراقية لاكتسابها جنسيات اجنبية اميركية وبريطانية وغيرها وتخليها عن الجنسية الاصلية). قد يكون "الاقليم" هو الركن الوحيد المتيسر رغم انه ممزق بين منطقة شمالية يفصلها سكانها الاكراد بثبات عن العراق الذي تعم مناطقه الاخرى الفوضى وبين مناطق اخرى, الفرات الاوسط والجنوب, تتحدث علنا عن كيانات مماثلة لتشكل "فيدرالية" سينجم عنها اقليم عراقي بصورة جديدة. فهل تتوفر الاركان الاخرى كقاعدة للعملية السياسية في العراق؟ وما هي سمات الناخب والمرشح؟

 

لعل أغرب سمة في المشهد الانتخابي العراقي هي أن المرشحين مجهولون ولا يعرف الناحب اسماءهم وهوياتهم وخلفياتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية والوطنية بل لا يستطيع التحقق ان كانوا عراقيين أم أجانب. المرشحون أشباح خلف مسميات القائمة. ولم يدرج أي اسم لاي مرشح على أي ملصق دعائي انتخابي أو في الترويج للقائمة أو في أية وثائق معروضة على الناخبين. بعبارة بسيطة أن على الناخب ان يختار بين قوائم انتخابية لا يعرف منها سوى اسم القائمة التي وضع لكل واحد منها رقم عددي.

 

على سبيل المثال لا يعلم الناخب أسماء مرشحي حركة الدعوة الاسلامية التي أعطيت الرقم  192 أو مرشحي قائمة حزب الامة (قائمة مثال الالوسي الذي زار اسرائيل ويدعو لعلاقات وتعاون معها) ورقمها 322 وهناك القائمة الرسالية (197) والتحالف الوطني الديمقراطي ( 258) والجبهة الوطنية التقدمية المستقلة (348) وكذلك الامر بالنسبة لأكثر من مئتين وخمسين قائمة وحزبا وتنظيما تستخدم عبارات التقدمية والديمقراطية والوطنية والحرية في أسمائها وبياناتها دون الكشف عن هوية أعضائها وقدراتهم وكفاءاتهم وارتباطاتهم واعمالهم وجنسياتهم الاصلية والمكتسبة وان كانوا من سكان العراق أم من المستوردين أو المقيمين في بريطانيا وايران والولايات المتحدة وفرنسا.

 

ويحمل ذلك الاجراء في طياته تمرير شخصيات غير وطنية وأجنبية ومستوردة الى عضوية المجلس المؤقت الذي سيشكل لجنة لوضع دستور العراق. وتوجد بالفعل بعض الشخصيات, التي تتمتع بعضوية حاليا في الجمعية الوطنية المؤقتة, لا تحمل جنسية عراقية بل هي ايرانية أحدها نائب لرئيس الجمعية. وعلى الناخب ان يمنح صوته لأشباح أو بمفهوم الصفقة الانتخابية أن يقدم صوته ثمنا لسلعة غير معروفة وانما موعودة, وهنا ينطبق المثل الشعبي العراقي المشهور "يشتري سمكا في البحر", وفي هذه الحالة "سمك ديمقراطي".

 

والركن الاساسي الاخر "الناخب" غير محدد المعالم بل هو خليط من العراقي (سواء كان من مواطني الداخل أو من المهاجرين الذين احتفظوا بجنسياتهم) والاجنبي (تركي وايراني وباكستاني وهندي) ومن ذوي الاصول العراقية الذين يحملون جنسيات أجنبية ومن ذوي الاصول الايرانية الذين يحملون جنسيات عراقية أو من الايرانيين غير المتجنسين. ومما يزيد الامر سوءا ما يشاع أن العديد من القنصليات العراقية وخصوصا في الدول الاسكندنافية وسوريا, حيث يوجد تركيز لجاليات كردية وايرانية, تقوم بتزويد الالاف من الاشخاص بجوازات عراقية على أساس أوراق مزورة أو غير سليمة. ان العديد من التقارير التي تزعم تلك الممارسة منشورة ومسندة بالاسماء غير أن الجهات الحاكمة في العراق تنفي ذلك.

 

وقد يتبادر الى الذهن أن سبب اخفاء اسماء المرشحين يعود الى الوضع الامني المتدهور وحماية للمرشحين من القتل في بلد تعددت فيه الجهات المعارضة والمقاومة والقاتلة والمقتولة. وقد يكون الامن والسلامة الشخصية سببا رئيسيا ولكنه يسلب العملية الانتخابية من أحد متطلباتها الاساسية وهو حق الاختيار الحر الذي لن يستكمل ما لم يعرف الناخب بشفافية شخصية المرشح ومعلومات كافية عنه تمكنه من الاختيار الواعي, وهنا يكمن الفرق بين الديمقراطية الانتخابية والفرض والاكراه السياسي.  غير أن تلك الممارسات, فيما يتعلق بالناخب والمرشح, تخفي, اضافة لتمرير شخصيات مشكوك بانتمائها وولائها للعراق, حقيقتين محوريتين: الاولى أنها تبرهن على اخفاق الاحزاب والشخصيات التي حرضت القوى الاجنبية على احتلال العراق وعادت اليه مع القوات المحتلة, في اقناع مواطني العراق بصواب ومصداقية مشاريعها السياسية وقدرتها على تحقيق "الوعد الديمقراطي" والتنمية والحرية والقائمة الطويلة من العبارات الرنانة.

 

اضطر ذلك تلك الاحزاب والشخصيات الى ضخ أكبر عدد ممكن من "ناخبين مبرمجين" للتصويت لهم. وينتمي الناخبون المبرمجون الى فئتين: الاولى من المقيمين في الدول الاجنبية, أبرزها ايران, واغلبهم يحمل جنسيات أجنبية, والذين شكلوا العمود الفقري لتلك الاحزاب التي تأسست في خارج العراق, ولكنهم لم يعودوا اليه. وقررت الحكومة المؤقتة منحهم حق التصويت في الانتخابات لمعادلة النقص في الدعم الداخلي. والفئة الثانية, وهي الاخطر على مستقبل العراق, تنتمي الى أصول غير عراقية, متجنسة وغير متجنسة, مثل عشرات الالاف من الايرانيين وذوي الاصول الايرانية الذين منحوا أوراقا عراقية ليشاركوا في الانتخابات. والثانية أن الاحتلال يسعى لتمرير الشخصيات التي تخدم استراتيجيته واهدافه في العراق والمنطقة تحت عباءة الانتخابات.

 

ومكمن الخطورة متعدد الوجوه: فهو من ناحية تقويض لمفاهيم وأركان المواطنة, ولكنه يقدم فرصة ثمينة لتعزيز نفوذ دولة أجنبية, اضافة لدول الاحتلال, ذات أطماع في العراق والمنطقة العربية, ايران, وفي الوقت نفسه تعزيز فرص الاحزاب الدينية الشيعية المرتبطة بايران, مثل المجلس الاعلى برئاسة عبدالعزيز الحكيم, ايراني الاصل متجنس, والدعوة برئاسة ابراهيم الاشيقر الجعفري, هندي الاصل متجنس, بالفوز بغالبية مقاعد الجمعية المؤقتة في انتخابات نهاية الشهر الحالي.

التعليق