سونامي في الشرق الأوسط

تم نشره في الخميس 13 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    هل الموت الذي يأتي عبر القنابل والطائرات لا يستحق عناء التعاطف بذات القدر الذي يستحق به الموت الآتي عبر أمواج عنيفة. لنصوغ السؤال بصورة أكثر تحديدا: هل الأرواح العراقية التي تحصدها آلة الحرب الأمريكية بشكل صار روتينيا أقل أهمية من أرواح الأندونيسيين والتايلانديين والهنود والغربيين التي قضت في تراجيديا سونامي. السؤال لم يطرحه أحد القوميين أو الإسلاميين الذين تكال لهم الاتهامات بالتشنج والديماجوجية ومعاداة الغرب وقراءة المؤمراة في كل حدث-وإن كان بعضهم كذلك- وإنما طرحه تيري جونز وهو مخرج أفلام بريطاني غير كاره لأمريكا وإنما استفزه أن يرى ردة فعل الغرب من الهبة غير المسبوقة لوسائل الإعلام الغربية التي أخذت مسوحا إنسانيا وتبنت خطابا مفاده ضرورة مساعدة ضحايا سونامي وبالتالي بدأت مهرجانات جمع الأموال التي طالت الدول العربية حتى إن المملكة العربية السعودية- وبحسب دعايات قنواتها الفضائية- جمعت 306 مليون ريال "في أقل من ست ساعات". يستغرب جونز كيف أن البريطانيين قدموا ما لايقل عن مائة مليون جنية إسترليني وكيف أن بلير وعد بمئات الملايين من الجنيهات وتهافتت أستراليا وألمانيا وإدارة بوش على إظهار الوجه الإنساني بالتعاطف مع الضحايا والوعد بتقديم الأموال. بطبيعة الحال أن تفي هذه الدول بوعودها هذه قصة أخرى وإنما ما أثار مشاعر جونز هو مقارنته بين سلوك القادة الغربيين ومن ورائهم وسائل الإعلام فيما يتعلق بقصة سونامي آسيا التي صنعتها الطبيعة وسونامي الشرق أوسطية في العراق التي هي من صنع البشر. هناك أيضا نوع من انعدام التجانس في ردة الفعل الإنساني تجاه مأساة ضحايا الغزو الأمريكي ومأساة ضحايا سونامي.

    مقارنة بسيطة بين المأساتين من حيث عدد الضحايا تدعم نظرية جونز فعدد من قضوا في سونامي تجاوز 150 الفا وعدد من قضوا في العراق خلال سنتي الغزو الأمريكي بلغ مائة الف وهذا الرقم نشرته كلية الصحة العامة بمعهد جون هوبكنز في دراسة أعدتها حول عدد القتلى بالعراق ونشر بواحدة من أكثر المجلات العلمية احتراما وهي دورية لانسيت. يتساءل جونز كيف أن أحدا لا يثير ضجة حول من قتلوا بالعراق وكيف أن وسائل الإعلام الغربية تتجاهل مأساة لا تقل بشاعة عما أحدثته سونامي بضحاياها ولماذا لم نشاهد كاميرات التلفزة تهرع لتصور "أطلال الفالوجة" ولم يسرع بابا روما إلى مناشدة الناس لتذكر قتلى العراق في صلواتهم وكيف أن وسائل الإعلام تقاعست عن القيام بذات المجهود لجمع الأموال لمساعدة العراقيين الذين دمرت حياتهم ومعيشتهم من جراء الغزو الأمريكي. وكان أقصى ما يسعى إليه بلير وبوش هو إخفاء عدد القتلى من العراقيين لذلك كان تقرير لانسيت أول دراسة علمية منذ بدء الغزو تتناول عدد القتلى العراقيين؛ فقد كان هناك قرارا اتخذته هذه الإدارة الأمريكية بعدم القيام بإحصاء للقتلى من الجانب العراقي. 
 
   هذه الواقعة التي أشار إليها جونز والمقارنة التي أجراها بين الطريقة التي اختير بها تغطية مأساتين متشابهتين تعيد إلى الواجهة ملف التغطية الصحفية- لاسيما الغربية منها على وجه التحديد- للأوضاع بالعراق. تأتي أسئلة جونز سريعة وملحة ولا تعد بإجابات حاسمة وفورية غير أنه ربما ليس بحاجة لأن يقدم إجابات مباشرة فالمعنى قائم في طبيعة الأسئلة ذاتها وهي تكشف عن الكيفية التي تتم بها التغطية الصحفية للعراق والتي باتت مسيسة بشكل صار معه أمرا متعمدا أن يتم إخفاء أو تجاهل الإشارة للضحايا من العراقيين بل وحتى الإشارة إليهم باعتبارهم أرقاما مصمتة.
   
   لوم جونز لردود أفعال الصحافة الغربية حيال ما يحدث في العراق يذكرنا بما كان قد أشار إليه كبير مراسلي النيويورك تايمز في العراق "إيان فيشر" حين كتب مقالا كان بمثابة مراجعة نقدية للتغطية الغربية للوضع في العراق. ربما النقطة الأكثر أهمية في المقال هي تلك التي يكشف فيها فيشر عن أن أسلوب التغطية الصحفية الغربية للعراق كان يتم "من وراء أبواب موصدة" ذلك أن الصحفيين الغربيين المسكونين بهاجس الخوف على حياتهم وعدم الرغبة في مغامرة غير محسوبة العواقب كانوا قد توقفوا عن التغطية الميدانية لمناطق بعينها مثل مدينة الصدر والفالوجا. ويعترف فيشر "بأننا كنا مذعورين وكنا نتساءل كيف يمكن لنا أن نغطي أكبر قصة خبرية في أميركا منذ فيتنام بدون أن نستطيع تأمين حياتنا".

    اعتراف فيشر ينم عن أنه ثمة قصور شديد في التغطية الأمريكية لقصة العراق. فمراسلو الصحف الأمريكية إذن كانوا مهتمين بأمنهم الشخصي أكثر من اهتمامهم بكيفية تغطية الشأن العراقي وإنسانيا قد يكون ذلك هما مشروعا. ويعترف فيشر صراحة بأنه لم يكن من الممكن الحصول على "معلومات مباشرة وأولية" حول العديد من الحوادث لأن مصدر المعلومات الرئيسي له ولزملائه الصحفيين كان "الجيش الأمريكي " والذي لم يكن كافيا –حسب وجهة نظر فيشر- لتجميع الصورة بكاملها. ويرمي فيشر بتساؤلات مهمة وهو "إلى أي مدى قدمت صورة متكاملة وصحيحة عن الأوضاع في العراق حينما كنا نحن الصحفيين نتواجد معظم الوقت في الفنادق أو البيوت المعزولة؟".

    أسئلة جونز واعترافات فيشر تطرح تساؤلات جدا مشروعة مثل إلى أي مدى إذن كان كل ما يكتب عن العراق يقارب الحقيقة وكيف لنا أن نتأكد من أنه لم تكن هناك معلومات مغلوطة أو مؤدلجة أو حتى معلومات تم تجاهلها تماما مثلما هو الحال في عدد القتلى العراقيين. 

التعليق