الانتخابات العراقية..الفرصة السانحة

تم نشره في الأربعاء 12 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً


استوقفتني المفارقة في موقف عراقيين مقيمين في الاردن بالنسبة لإمكانية المشاركة في الانتخابات العراقية نهاية شهر كانون الثاني/يناير لاختيار مجلس وطني ينتخب الرئيس ونائبيه.
هذه الانتخابات الاولى التي تجرى في العراق على اسس التعددية الحزبية، منذ ان اعتلى حزب البعث سدة الحكم في الستينيات، ومارس احاديته السلطوية واغتصب الارادة السياسية لشعبه المثقف، ونظم انتخابات رئاسية كان المرشح الوحيد فيها يحصد ما نسبته 99,99 بالمائة من الاصوات.

وموقف عباس (من البصرة)، بائع الخضار ذ] الـ 18 ربيعا، الذي استقر في عمان قبل شهر ليسد رمق اسرته الكبيرة ، اختلف بـ180 درجة عن موقف رجل اعمال عراقي متنفذ وميسور، في العقد الرابع من عمره، عاش نصف سنيّ حياته في الغرب، ومارس حقه الانتخابي هناك عدة مرات في مسيرة كان الاعتبار الاقوى برأيه هو عامل القوة والمال، وليس الصوت.

هذا العراقي الاخير وغيره في شبكة معارفه الواسعة, لن يشاركوا بالانتخابات ، بسبب الضبابية السياسية المحيطة بالعراق، وعدم توفر ظروف موضوعية لانجاحها، كالأمن والطمأنينة للناخبين وللمرشحين، او لأن العملية برمتها تسير تحت حراب وبنادق الاحتلال الامريكي، ومحسومة سلفا لصالحه.

ومع ان الاختلاف عميق و جذري بين موقف عباس ورجل الاعمال هذا الذي قرر ترك الغربة والعودة الى العراق بعد انهيار نظام صدام حسين قبل 14 شهرا ، ليفاجأ باضطراره الآ البقاء في عمان لان الامريكان لم يجلبوا معهم الأمن، والازدهار الاقتصادي، ولم يستطيعوا توفير ادنى متطلبات الحياة مثل الكهرباء والماء ، اضافة الى حالة الانفلات الامني، وسيطرة العصابات، وغيرها من مظاهر الفوضى التي تكرست بسبب سوء تخطيط امريكا لليوم الثاني بعد انتهاء الحرب والعقلية الامبريالية لبريمر وأعوانه.

فالموقفان ينمان عن واقعية هذين المواطنين في  قراءة المشهد الداخلي لبلدهما قبل بدء العملية الانتخابية في 30 كانون الثاني/ يناير، وسط تزايد دعوات لمقاطعة الانتخابات، التي لا يتخوف فقط العراقيون من نتائجها ، انما أيضا كل دول الجوار، التي باتت تتخوف من صعود نجم الاصولية الدينية، وانتهاء بتكريس سياسة الامر الواقع المتمثلة في انهيار العراق الي ثلاث دويلات؛ للسنة و للشيعة وللاكراد.
فعباس اختار ان ينظر الى نصف الكوب الممتلئ، وان يستغل حق الانتخاب وان ينتهز فرصة جديدة لاعادة بناء عراق جديد، ومن خلال بناء اجماع على دستور جديد يحمي حقوق الاقلية والاكثرية، ومن خلال حكومة منتخبة يأمل ان تكون قادرة على ضبط الامن، وبدء محادثات مع امريكا للاتفاق على جدول زمني لخروج الاحتلال.

 اما رجل الاعمال هذا، فاختار ان ينظر الى نصف الكوب الفارغ، وان يبقى على هامش اللعبة السياسية، معمقا شعوره بفقدان الامل.

وتتكرر آراءٌ كالتي عبر عنها عباس ورجل الاعمال يوميا، ممزوجة بمواقف اخرين سيحسمون موقفهم عشية بدء الانتخابات، وهي بالضرورة تبقى ملكا لاصحابها، ولا يحق لأحد اخذ موقف منها خاصة في ظل الاحباط الشعبي من امكانية التغييرعن طريق الديمقراطية، وغياب ثقافة الانتخاب في عالمنا العربي، حيث تحولت بعض من انظمته من جمهوريات منتخبة الى جمهوريات وراثية.

ويبقى الامل ان تنجح الهيئة العليا للانتخابات في العراق،  منظمة الهجرة الدولية   IOM المسؤولة عن تنظيم الانتخابات في اماكن تواجد جاليات عراقية كبيرة خارج العراق (في 14 دولة عربية وغربية ومن ضمنها الاردن) ، في تحفيز وتوعية العراقيين باهمية ممارسة حقهم الدستوري بالانتخاب، وباساليب التسجيل التي تؤهلهم للمشاركة في هذه المسيرة.

فالمشاركة الواسعة قد تحدد بدايات الخروج من نفق العراق المظلم، لاسيما مع ارتفاع وتيرة الحديث العلني والخفي في الكونغرس، ووزارة الدفاع، والبيت الابيض عن ضرورة التفكير بسيناريو مشرّف يحدد توقيت وكيفية بدء فك التشابك الامريكي مع العراق بعد انتهاء الانتخابات؛ إما بمبادرة  من الحكومة الجديدة المنتخبة بعد تقوية اجهزة الامن، او بايعاز من امريكا.

فواشنطن لن تستطيع الاستمرار طويلا في دفع تكلفة مغامرات الرئيس جورج بوش التي تكلف الخزينة 4,5 مليار دولار شهريا، اضافة لتعاظم الخسائر البشرية وارتفاع وتيرة اعمال المقاومة وتململ الرأي العام الامريكي حول المكاسب التي حققتها هذه الحرب.

 وسيواجه بوش ربما بداية نهايته السياسية بعد عقد الانتخابات التي ستفتح الباب على المجهول: إما المزيد من الاستقرار، او تزايد الفوضى واعمال المقاومة، سيما ان برنت سكوكروفت، اقرب اصدقاء والد الرئيس بوش، واحد مستشاريه الحميمين، لمح مؤخرا الى ان الانتخابات لن تشكل بداية مشجعة في عملية التحول في العراق ، وانما ستعمق المواجهة ، وقد تؤدي الي بدايات حرب اهلية. وطالبه ايضا بحشد دعم اوروبا لمساعدة الجهد الامريكي في العراق لأن واشنطن لن تستطيع الاستمرار بمفردها هناك.

التعليق