ملاحظات على بيان الموازنة العامة لعام 2005 (3/3)

تم نشره في الاثنين 10 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


    بينما أسهب بيان الموازنة باستعراض تفاصيل الكثير من الأنشطة الاقتصادية، التي تعتبر بعيدة عن صلب موضوع الموازنة المالية للحكومة، صحيح أن الأنشطة الاقتصادية تتصل مع بعضها البعض وتتداخل فيما بينها، وبالتالي لها تأثير على الشأن المالي للحكومة، كما للإنفاق والسياسات المالية تأثير على النشاط الاقتصادي، لكن كان من الجدير ببيان الموازنة أن يعطي حيزا من التوضيح يتناسب مع أهمية كل عنصر من عناصر الموازنة خصوصا الرئيسية منها، لا أن يستطرد على سبيل المثال بسرد ما سجلته مراقبة الشركات من شركات جديدة، وما سجلته مؤسسة تشجيع الاستثمار من مشاريع جديدة وغيرها بالرغم من بعدها النسبي عن صلب موضوع الموازنة، بينما تجاهل البيان ذكر توضيحات ولو مختصرة عن عنصر في غاية الأهمية من عناصر الموازنة ، ألا وهو موضوع المساعدات الخارجية التي تلقتها الحكومة فعليا خلال عام 2004 أو المقدر الحصول عليها خلال العام 2005 ، بحيث تتضمن هذه التوضيحات المختصرة ذكر الدول المانحة ومساهمة كل منها في تلك المنح، إذ اكتفى البيان بذكر المبالغ الإجمالية لتلك المساعدات مع أنها تشكل ما نسبته 40% من الإيرادات المحلية وما نسبته 29% من الإيرادات العامة . 


   أما في مجال المنح النفطية، فحري ببيان الموازنة أن يتطرق للمنحة النفطية الكويتية، التي بيعت لعدم ملاءمة مواصفاتها لتقنيات التكرير في مصفاة البترول الاردنية، وأن يوضح البيان الإشكالية التي أحاطت بعملية إيداع ثمنها في حساب لدى بنك أمريكي بدلا من إيداعها في حسابها المخصص لدى البنك المركزي الأردني، كما تحاشى بيان الموازنة ذكر أي شيء عن الحصيلة المالية للمنحة النفطية المقدمة من المملكة العربية السعودية التي تزودنا مشكورة بنصف احتياجاتنا النفطية مجانا .


   وإذا كانت الحكومة قد بدأت مؤخرا ( أي قبل شهر تحديدا ) باحتساب قيمة ما أسمته دعمها للمحروقات بأثر رجعي منذ عام 1993 وحتى عام 2005، فحري بها في نفس الوقت أن تدرج وبأثر رجعي أيضا قيمة المنح النفطية المجانية التي حصل الأردن عليها بموجب البروتوكول النفطي الأردن العراقي خلال نفس الفترة الممتدة من عام 1993 ولغاية عام 2003 وهو العام الذي توقف العمل بهذا البروتوكول نتيجة للغزو الأميركي للعراق، بحيث تظهر تلك المساعدات جنبا إلى جنب مع المبالغ التي تقول الحكومة إنها أنفقتها دعما للمحروقات خلال تلك السنوات، إذ من المعروف أن الأردن كان يحصل وفقا للبروتوكول النفطي العراقي على نوعين من المساعدات، الأولى شراء الأردن للنفط بأسعار تفضيلية، (أي اقل من مستوى أسعارها السائدة في الأسواق العالمية)، والثانية حصوله على نصف احتياجاته النفطية مجانا بدون أي مقابل والتي لم تقدم الحكومة عنها أية بيانات منذ تلقيها لتلك المساعدات على مدار سنوات طويلة.  


    لم يتضمن مشروع الموازنة لعام 2005  أي مخصصات لزيادة رواتب موظفي الوزارات والدوائر الحكومية المشمولة بهذه الموازنة، والتي لم يحدث عليها أي تغير يتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة، مما جعلها تتآكل بسرعة أمام الارتفاع في مستويات الأسعار، وبذلك أصبحت شرائح من الموظفين تحوم حول خط الفقر العالمي (المحدد من البنك الدولي) ، بينما هوت منذ سنوات رواتب شرائح أخرى إلى ما دون خط الفقر ، إذ لا يمكن لحديث الحكومة عن تطوير القطاع العام وعن محاربة الفقر أن يستقيم بمحاذاة تدني رواتب العاملين في الأجهزة الحكومية.  


   تضمنت الموازنة بندا لشراء الآلات والمركبات ضمن النفقات الرأسمالية لعام 2005 بقيمة 14.8 مليون دينار ، كما سبق للحكومة أن اشترت في عامي 2003 و2004 على حساب هذا البند ما قيمته 15.2 مليون دينار و20 مليون دينار على التوالي ، وباعتقادي أن لدى الوزارات والدوائر الرسمية المشمولة بقانون الموازنة من السيارات والمركبات الحديثة والفارهة ما يكفي لسد حاجتها لعدة سنوات، خصوصا أن شوارعنا مليئة بالسيارات ذات اللوحات الحكومية (من اللون الأحمر واللون الأبيض الحكومي واللون الأزرق ) ، وبالتالي يمكن للحكومة أن تستغني عن هذا البند كليا ولعدة سنوات ، وتوفير مخصصاته وتوجيهها نحو بنود إنفاق أكثر أهمية وضرورة ونفعا للمواطنين، كما تضمنت موازنة الحكومة ارتفاع مخصصات السفر في المهمات الرسمية لعام 2005 بزيادة نسبتها 47% عن مخصصات لعام 2004 ، وباعتقادي انه لو تم إلغاء 75% من هذه المهمات غير الضرورية ، فلن يخسر ولن يتأثر اقتصادنا لا بل سيستفيد من الغائها، لأن هذا البند هو بند امتيازات وسياحة واستجمام لكبار المسؤولين أكثر مما هو بند عمل وإنجاز للمصلحة العامة .  


   وفيما يتعلق بتنازل الحكومة المركزية لحساب مفوضية إقليم العقبة عن نصف (ضريبة المبيعات وضريبة الدخل) وعن كامل إيرادات مؤسسة المواني التي قد تصل 22 مليون دينار سنويا ، فقد كان الهدف من تحويل منطقة العقبة إلى منطقة حرة خاصة هو لتقليد تجربة ميناء جبل علي في دبي، بحيث تتحول العقبة إلى منطقة جذب استثماري صناعي وتجاري وأن تحقق حالة استثنائية من التطور الاقتصادي في المملكة ، لكن بمرور السنوات ، لم تنجح مفوضية العقبة إلا بتفصيل المزيد من الامتيازات المالية للمسؤولين وللموظفين القائمين عليها على حساب المال العام ، وقد كانت ثمار أعمالها تحول العقبة إلى منطقة تهريب جمركي  لمختلف أرجاء المملكة ، كذلك نشوء أزمتين خانقتين في كنفها ، هما أزمة ميناء العقبة وأزمة الشاحنات ، وتحول العديد من المستثمرين في المملكة للاستيراد والتصدير عبر مواني الدول المجاورة ، كما حدث مع منظمة الأمم المتحدة التي حولت مستورداتها على حساب برنامج النفط مقابل الغذاء للعراق من العقبة إلى المواني السورية ، وفوق هذا وذاك ، قدمت موازنة الحكومة لهيئة مفوضية إقليم العقبة هذه المكافآت والتنازلات المالية السخية إكراما لإنجازاتها الاقتصادية الباهرة المضاهية لمنطقة دبي الخاصة !!


   وأخيرا من أجل تطوير العمل بموازنة الحكومة، بما يحقق أفضل توظيف لموارد الحكومة المالية اقترح ما يلي :


1 عدم إنفاق أي مبلغ خارج سقف الموازنة بدون قانون يسمح بذلك، كي تضبط الحكومة إنفاقها العام، وتغطية أي إنفاق يتجاوز السقف المحدد بالموازنة السنوية بموجب قانون إضافي ينتهي مفعوله بانتهاء السنة المالية، وذلك إعمالا لمبدأ دولة القانون والمؤسسات .  


2. لتفعيل مبدأ الاعتماد على الذات الذي ورد في خطاب الموازنة، فإن ذلك يتطلب من الحكومة التوقف عن الاقتراض المحلي والخارجي، وهذا لا يتحقق إلا بضبط إنفاقها وترشيده وإعادة النظر بالكثير منه، بما يفضي إلى إلغاء عجز الموازنة المقدر لعام 2005 بـ 270 مليون دينار، ومما يشجع الحكومة على ذلك هو الزيادة في سقف الإيرادات المحلية وارتفاع قيمة المساعدات الخارجية التي حصلت عليها الحكومة منذ عام 2003 وحتى عام 2005 . 


3. إدراج جميع المساعدات المالية والعينية التي يتلقاها الأردن من الخارج ، ضمن حساب موحد ، تحدد فيه الجهات المانحة وقيمة ما تمنحه كل دولة أو منظمة ، وأن يدرج هذا الحساب بالكامل ضمن موازنة الحكومة، بحيث يظهر بجدول تفصيلي ، شأنه في ذلك شأن باقي الجداول الكثيرة الملحقة بخطاب الموازنة العامة .


4. مع أن الحكومة قد دمجت مخصصات برنامج التحول الاقتصادي ضمن موازنة الحكومة ، إلا أنها أبقت عليها مستقلة ضمن مخصصات وزارة التخطيط ، وهو ما يجعل الإنفاق الرأسمالي ينقسم إلى جزأين الأول تحت إشراف وزارة المالية والثاني تحت إشراف وزارة التخطيط (حسبما أشارت إليه الملاحق الإحصائية لبيان الموازنة) مما يوجد ازدواجية في عمل الوزارتين، بينما الأصح هو دمجهما كليا تحت إشراف وزارة المالية، بحيث تتخصص وزارة التخطيط بشؤون التنسيق ومتابعة حصول المملكة على المنح والمساعدات الخارجية مع الجهات المانحة، بينما تتخصص وزارة المالية بالشؤون والسياسيات المالية الداخلية.

التعليق