الانتخابات العراقيَّة والانقسامات في المنطقة

تم نشره في السبت 8 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

   بينما بدأت المصادر الطبيَّة تكشف عن وجود مئات الجثث المدفونة تحت الردم أو الملقاة في الشوارع في مدينة الفلوجة، وبينما تتواصل المجازر اليوميَّة للشعب الفلسطيني، فلا تستثني أحداً بما في ذلك الأطفال والنساء والشيوخ، تتهيأ الأجواء لانقسامات جديدة في المنطقة، على المستوى العربي والإسلامي، ليس حول كيفيَّة نصرة أهالي العراق وأهالي فلسطين، وإنَّما حول مواضيع أخرى "أكثر أهميَّة"، منها: موضوع الانتخابات العراقيَّة وموضوع الوجود السوري في لبنان!

 

   وهذا الانقسام الذي يتبلور ويتصاعد الآن بدون أيّ مبرِّر حقيقي يبدأ من إيران التي ضحَّت بتعاطف الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة معها، واهتمَّت فقط برعاية نفوذ بعض أذرعها الطائفيَّة المتحالفة مع الاحتلال الأميركي في العراق! وفي هذا السياق، لا يمكن لأحد أن يفهم، تحت أيّ ذريعة، مشاركة قوَّات بدر الموالية لإيران (والبشمرجة) مع الأميركيّين في الهجوم الإجرامي على الفلوجة وغيرها من المدن العراقيَّة! كما لا يمكن أن نفهم هذا الرهان الإيراني الطائفي قصير النظر على الانتخابات العراقيَّة في ظلّ الاحتلال الأميركي؛ بحيث يبدو أنَّ كلّ ما يهمّ الإيرانيّين، مع الأسف، هو إيصال المجموعات الطائفيَّة الموالية لهم إلى سدّة الحكم! ولكن أيّ حكم هذا الذي سيكون في ظلّ الاحتلال؟! ثمَّ هل بلغت ثقة الإيرانيّين بالولايات المتَّحدة حدّ الاعتقاد بأنَّ الانتخابات التي ستجري تحت حراب قوَّاتها ستكون ديمقراطيَّة ونزيهة؟!

 

    ومن ناحية أخرى يريد الأميركيُّون الآن من بعض الدول العربيَّة، كما أعلن باول مؤخَّراً، أن تتدخَّل لدى العرب السنة في العراق لإقناعهم بالمشاركة في الانتخابات، بهدف إضفاء نوع من المشروعيَّة عليها، ولكي تختلط خطوط الخارطة الانتخابيَّة فيسهل إعمال مبضع التزوير الأميركي المباشر فيها، بأقلّ قدر من الانكشاف. ومن أجل إشاعة المزيد من الضباب، يجري الآن توتير الأجواء بصورة مفتعلة بين إيران وبعض الدول العربيَّة، ليس بسبب تواطؤ إيران، من خلال جماعاتها في العراق، مع الاحتلال الأميركي، ومسؤوليَّتها بالتالي عن كلّ جرائمه التي شاركت فيها هذه الجماعات، وإنَّما، بالذات، لأنَّ إيران تحتفظ ببعض الأهداف الخاصَّة بها في هذه اللعبة "البراغماتيَّة" غير النظيفة. وفي النهاية فإنَّ العرب والإيرانيّين، على السواء، هم الخاسرون حتماً من هذا التوتير الحاصل بينهم. بينما الأميركيُّون، بلا شكّ، هم الفائزون بالنتيجة.

 

   وما من أحد سيكسب في النهاية من الانتخابات العراقيَّة، بغضّ النظر عن النتائج التي سيتم "استخراجها" من صناديق الاقتراع، ولا حتَّى الأميركيّين أنفسهم الذين أعدّوا لهذه الانتخابات. حيث ستبقى الحقائق على الأرض كما هي، ولن يكون الواقع السياسي الذي ستفرزه الانتخابات، كائناً ما كان، مختلفاً في فعاليَّته وجدواه عن واقع "مجلس الحكم" أو "الحكومة المؤقَّتة".

 

   وبالتالي، فعلى ماذا يتصارع المتصارعون الآن؟ وما الذي ستربحه إيران مقابل هذا السحب غير الحصيف من رصيد سمعتها واحترامها في الشارع العربي والإسلامي؟! ومن الجهة الأخرى، ما الذي ستكسبه بعض الدول العربيَّة من هذا العزف الخطير على وتر الطائفيَّة؟! خصوصاً وأنَّ الطرف العربي السنِّي الذي تتوجَّه له بخطابها، تعوَّد أن ينظر لنفسه بوصفه راعي وحدة العراق والمسؤول الأوَّل عن استمراره؛ ولذلك فهو، موضوعيّاً، ضدَّ كلّ الصيغ الطائفيَّة والتدخُّلات الخارجيَّة؛ وبالذات إذا كانت غير عربيَّة. ولا أعني بهذا إيران فقط، بل والأميركيّين أيضاً، بوجه خاص، وقبل سواهم.

 

    إلا أنَّ ما يثير الاستفهام والعجب أكثر من سواه إنَّما هو هذه النذر التي بدأت تتجمَّع لخلاف عربي، لا معنى له، على تطبيق القرار الدولي الأخير بشأن لبنان الذي أُتخذ بضغط أميركي فرنسي. ما الذي سيكسبه العرب من الانقسام بحميَّة وحماس غريبين على موضوع تنفيذ هذا القرار، بدلاً من أن يتوحَّدوا في مواجهة تعنُّت الطرف الأميركي الإسرائيلي ورفضه التسليم بالحقوق العربيَّة وامتناعه عن تطبيق القرارات الدوليَّة بشأن القضيَّة الفلسطينيَّة، رغم مرور أكثر من نصف قرن على تاريخ صدور بعضها. وفي النهاية يجب أن نتذكَّر جميعاً أنَّنا موجودون، معاً ودائماً، في هذه المنطقة، أمَّا الأميركيُّون، طال الزمن أم قصر، فهم عابرون.

E-mail: qubailat@yahoo.com

التعليق