ملاحظات على بيان الموازنة العامة لعام 2005

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً


   مما ورد في بيان الموازنة للعام الحالي ما يلي : ( يتميز مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2005 بأنه استند إلى استراتيجية إصلاح الإدارة المالية التي تبنتها الحكومة مؤخرا والتي تهدف إلى مواصلة السير بثبات تجاه تعميق نهج الشفافية ،....، يمكن الحكومة من الوقوف على الوضع المالي المتوقع للخزينة العامة في المدى المتوسط من خلال استخدام الأساليب العلمية في تقدير الإيرادات والنفقات العامة على ضوء التطورات الاقتصادية مما يسمح لإتاحة المجال لكافة الوزارات والدوائر الحكومية لترتيب أولويات إنفاقها وفق سقوف محددة تنسجم مع السقف الكلي المحدد للإنفاق العام والذي يتماشى مع حجم الإيرادات المتوقعة والعجز المالي المستهدف ) .

     بالرغم من حديث الحكومة الجميل في خطاب الموازنة لعام 2005 ، وما ورد فيه حول استخدامها للأساليب العلمية في تقدير الإيرادات والنفقات العامة، فقد أخفقت الحكومة في تقدير حجم إيراداتها ونفقاتها للعام الماضي، مع أن الجهات التي أعدت مشروع موازنة العام الحالي 2005 وتلت خطابها أمام مجلس النواب الحالي هي نفسها التي أعدت مشروع موازنة العام الماضي 2004 وتلت خطابها أمام مجلس النواب الحالي بتاريخ 15/12/2003 والذي وعدت به حرفيا ما يلي :

(استمرار الحكومة في اتباع سياسة مالية حصيفة وعدم التوسع في الإنفاق مع تنفيذ خطة واضحة المعالم لضبط النفقات.... وسعى الحكومة إلى تقليص فجوة العجز المالي في الموازنة العامة إلى أضيق الحدود الممكنة لتفادي المخاطر الجسيمة المتمثلة باللجوء إلى الاقتراض ... فالتزايد في حجم الاقتراض لمثل هذه الغايات من شأنه زعزعة الاستقرار المالي والنقدي..) .

     وبالرغم من إدراك الحكومة لخطورة اللجوء إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، وبالرغم من أهمية التزام الحكومة بضبط الإنفاق ضمن السقف المحددة لها، إلا أنها لم تلتزم بذلك وقد تجاوز إنفاقها في العام الماضي 2004 السقف المسموح به بمبلغ 319 مليون دينار وهو ما يعتبر مخالفة مالية لقانون الموازنة في ذاك العام (وكما سيتم توضيحه تاليا)، وهو ما يؤكد إصرار الحكومة وعزمها الأكيد بالحفاظ على استمرارية عجز الموازنة، بدلا من تصميمها على تخفيضه، وبالتالي تخفيض قيمة الدين العام كقيمة مطلقة وليس كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ومما يشجع الحكومة على عدم الاكتراث بمعالجة أسباب هذا العجز ، هو أن المديونية المستخدمة لتغطية هذا العجز لا تثقل كاهل المسؤولين ولا تشكل هماً لهم طالما توفر الحكومة لهم مختلف الامتيازات المالية على حساب الرسوم والضرائب والديون الخارجية والداخلية ، فهذا العجز المالي وتبعاته لا يثقل كاهل سوى المواطنين ودافعي الضرائب ، فالحكومة في ممارستها للبذخ الإنفاقي تتعامل مع موارد الأردن المالية الشحيحة وكأن الأردن بمثابة دولة نفطية، أو بمثابة دولة من الدول المتقدمة اقتصاديا، متناسية لهاث الأردن المتواصل خلف الدائنين والمقرضين، وما يترتب على ذلك من ارتفاع في فاتورة الفوائد السنوية التي يدفعها الأردن مقابل الدين العام، والتي لو كتب لها أن ترصد للإنفاق على البرامج التنموية في محافظات المملكة المختلفة لحولتها إلى محافظات في غاية التطور ، ولكان وضعها أفضل مما هي عليه حاليا، بدلا من حديث الحكومة النظري وشعاراتها التي ترفعها عاليا عن تنمية محافظات المملكة ومعالجة الفقر والبطالة .

      لقد مرت الحكومة بفرصة ذهبية للتخلص من العجز المالي خلال عام 2004 المنصرم ، نتيجة لارتفاع قيمة الإيرادات المحلية بمبلغ 120 مليون دينار، ونتيجة لارتفاع قيمة المساعدات الخارجية عما كان متوقعا بمبلغ 168 مليون دينار، وبذلك تكون الإيرادات العامة بنهاية العام الماضي قد حققت زيادة مقدارها 288 مليون دينار، والزيادة تلك في الإيرادات العامة كفيلة بتغطية العجز المقدر للعام الماضي بـ 293 مليون دينار والذي بلغ فعليا بعد إعادة تقديره بمبلغ 278 مليون دينار، ولكان بمقدور الحكومة تحقيق فائض في الموازنة بمقدار 10 ملايين دينار بدلا من هذا العجز الذي سيتم تمويله بمزيد من الاقتراض.

   فالحكومة لم تتقيد بسقف الإنفاق ضمن موازنة عام 2004 والمقدر بمبلغ 2521 مليون دينار، صحيح أن مشاريع برنامج التحول الرأسمالي قد أدمجت في الموازنة منذ عام 2004 حيث بلغت 167 مليون دينار، بحيث أصبح سقف الإنفاق العام شاملا الإنفاق من حساب برنامج التحول الاقتصادي خلال العام 2004  لا يتجاوز 2688 مليون دينار في حين بلغ إجمالي إنفاق الحكومة الفعلي خلال العام الماضي 3007 مليون دينار ، أي أن الحكومة قد تجاوزت سقف الإنفاق العام المسوح لها به في موازنة عام 2004 (الماضي) بمبلغ 319 مليون دينار، لذا فإن العجز الذي ظهر في موازنة عام 2004 الوارد ضمن المقارنة الواردة في بيان مشروع الموازنة لعام 2005 والبالغ 278 مليون دينار هو بسبب تجاوز الحكومة لسقف الإنفاق المسموح لها به والمحدد بقانون الموازنة للعام 2004 ، وباعتقادي أن من حق المواطنين وممثليهم أن يسألوا الحكومة عن أوجه إنفاق مبلغ الـ 319 مليون دينار والتي كان من المفروض تجنب إنفاقها لتحقيق توازن بين الإيرادات العامة والإنفاق العام ، ولتحقيق تخفيض في قيمة الدين العام، بدلا من إصرار الحكومة على جعل عجز الموازنة ظاهرة مستدامة، مما يضطر الحكومة للاقتراض الداخلي والخارجي، الذي يزيد من قيمة المديونية.

     إن التحسن في الإيرادات العامة يعود إلى ارتفاع قيمة المساعدات التي تلقاها الأردن خلال العام 2004 ، فبينما قدرت موازنة العام الماضي المساعدات المتوقع حصول الأردن عليه بمبلغ 472 مليون دينار ، فقد بلغت تلك المساعدات بعد إعادة التقدير 640 مليون دينار ، وإذا ما أضيفت منح برنامج التحول الاقتصادي فسترتفع إلى  784 مليون دينار. 

     أما أسباب زيادة الإيرادات المحلية للعام الماضي (2004) فهو رفع نسبة ضريبة المبيعات من 13% إلى 16% ، كذلك ازدياد المستوردات الأردنية التي تتبعها زيادة طردية في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المحصلة منها، كذلك زيادة أرباح الشركات المساهمة العامة التي تتبعها أيضا زيادة متناسبة من ضريبة الدخل المستحقة عليها، وبالتالي أعتقد جازما أن دمج دائرة ضريبة المبيعات مع دائرة ضريبة الدخل لم يكن له أي أثر في زيادة الإيرادات العامة مثلما جاء في خطاب مشروع قانون الموازنة، لأن هذا الدمج قد جاء متأخرا في شهر حزيران من عام 2004 وبالتالي فإن هذه الفترة القصيرة الممتدة من شهر حزيران إلى شهر كانون الأول من عام 2004 ليست كافية لتحقيق مثل هذه الزيادة في الإيرادات المحلية، لذا فالفضل في تحقيق هذه الزيادة يعود بالدرجة الأولى والأخيرة للمواطن الذي ينوء بمختلف أشكال الضرائب والرسوم والجمارك والجبايات، وليس الفضل لدمج هاتين الدائرتين .

التعليق