هل نحن عصيون على التغيير أم عاجزون عنه؟ قراءة في الخطاب النهضوي عند هشام جعيط

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً


   في كتابه " أزمة الثقافة الإسلامية،دار الطليعة ،2000 " راح المفكر المغاربي هشام جعيط، ومن موقع تشاؤمي ونرجسي، ينعي غياب المشروع النهضوي العربي، ففي خاتمة كتابه المذكور كتب جعيط قائلاً أنه من الغلط التام أن تتحدث عن " مشروع حضاري عربي "، بل هذا وهم وكلام فضفاض، وكان أحرى بنا أن ننادي بالرفع من مستوى المطمح الثقافي، وهو بالذات المطمح الإنساني العام والضروري لكل مجموعة. وهو الذي يعطي الحياة نضارتها ونحن بعد عابرو سبيل. لا يكتف جعيط بذلك فمن وجهة نظره أننا أبعد ما نكون عن مشروع حضاري نهضوي " فنحن في الوضع الحالي – والقول له- والوضع الذي سبقه ضالون تماماً نتخبط في التناقضات، وبلادنا منذ خمسين عاماً صحراء ثقافية في كل المجالات، في التراث كما في استيعاب الثقافة الغربية، في الكتاب كما في الرسم أو الموسيقى أو المسرح وأن هذا المجتمع أعطى رقبته للذبح وألتذ بموته، فلا أرى الآن خروجاً من المأزق ". وفي إطار قياسه على الغرب، القياس الذي يحكم حركية الثقافة العربية باتجاه الحداثة الغربية، حيث الآخر /الغربي هو الحاضر الغائب وراء كل تساؤل، وذلك بدءاً من عصر النهضة وحتى اللحظة المعاصرة، يكتب جعيط ما يلي :كيف يمكن لأي عربي زار باريس مثلاً ومتاحفها المتعددة من " اللوفر " إلى متحف الفن الحديث إلى متحف "بيكاسو" إلى "غيمي" مركز الفنون الآسيوية ..الخ، دون أن يعتريه شعور بالمسافة، والإعجاب والاحتقار الذاتي "ص197 .

    لا يريد جعيط أن يدفعنا كما يقول إلى حالة من اليأس والقنوط، بل إلى حالة من الوعي بحقيقة الواقع الذي يعيشه كعرب ضالين، وبالظرف التاريخي الذي نمر به أيضاً بدون أن نعيه، ولكنه في الحقيقة وعلى العكس من نواياه الطيبة –ما أكثر من نوايا المثقفين الطيبة – يقودنا إلى حالة من اليأس والقنوط، وإلى أحضان إيديولوجيا الإحباط والهزيمة المضمرة في معظم الخطابات التي يحررها المثقفون العرب في رؤيتهم للواقع العربي وتعقيداته وإشكالياته ،فأمام زخم الإشكاليات الفكرية وتعثر الإجابات عن مشاكل مطروحة وملموسة، كثيراً ما يندفع الخطاب العربي إلى تخوم إيديولوجيا الاحباط، وهي أيضاً حالة من الهروب إلى الأمام. يكتب جعيط :نحن نستبعد كل شعور باليأس والقنوط ،كما نستبعد كل نظرية تاريخانية يراد منها اختزال حركة التاريخ ومن وراء ذلك الضغط الإداري بالإيديولوجيا والفعالية السياسية ( هو يغمز هنا من قناة المفكر المغاربي عبد الله العروي بدون أن يشير إليه والذي يرى أن التاريخانية المحكومة بالفعالية السياسية وبإرادة التغيير من شأنها أن تختزل مراحل تاريخية كثيرة وبالتالي تسمح بإمكانية اللحاق بالركب الحضاري .

   لا مشروع حضاري عربي ولاهم يحزنون، ونحن لسنا أكثر من عابري سبيل ،أو هنود حمر هذا الزمان الذي تنوشهم القاذفات العملاقة وعلينا أن نضع حداً لأوهامنا في التقدم واختزال الزمن، وهذه ليست أكثر من أوهام المثقف العشرة ( كان علي حرب قد عدد أوهاماً خمسة في كتابه أوهام النخبة ويبدو أنه بصدد توسعتها إلى عشرة كما يظهر في كتاباته الجديدة) .

   ما أراه أن جعيط يمر في لحظة من اليأس حادة، تمنعه من الالتفات إلى ما كتبه ،وبخاصة في كتابه " الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي، دار الطليعة في بيروت ،1990" عندما كان مؤمناً حتى العظم بفضيلة الفكر القومي العربي الجديد، وهي هنا إرادة الفعل والإيديولوجيا معاً ففي معرض إشادته بقادة الفكر القومي العربي ( ميشيل عفلق ) الذي يشرفه كما يقول جعيط أنه أقصي تماماً وباستمرار عن الأنظمة البعثية القائمة .راح جعيط يبشر بأن هناك لغة جديدة حقاً على الوعي العربي، ومحاولات اشتراكية جدية وأن هناك واقعا جديدا تعبر عنه جيداً إيديولوجيا القومية العربية التي تلعب دورها في تاريخ العالم العربي المعاصر.

   في معرض تبشيره بالدور الكبير للمشروع القومي العربي الاشتراكي، كتب هشام جعيط يقول :يجب أن نثق بالوحدة أي بالتاريخ .فإذا كانت الوحدة هي أقرب طريق لحمل المجتمع العربي على تحرير قدرات العمل داخل الشعب، وتحرير قدرات العبقرية والعقل وتنميتها، وأخيراً تجاوز الجو الذهني المتدني الخانق حيث يركد الإنسان العربي، وذلك على صعيد جمال الحياة والخلق، فلا يمكن للوحدة إلا أن تجد رضا كل الأشخاص الأكثر وعياً والأكثر طموحاً والأكثر إقداماً .إن العالم العربي يتواجد اليوم على الصعيد الدولي بحماسه واضطرابه ،ترقباً لتواجده بإنتاجه وآماله في العيش، التي سيهبها يوماً لأبنائه. وتحت أحلام القوة والعزة ،التي توليها كل الأهمية التي تستحق، تنبع الرغبة الأساسية الجماعية، رغم أنها غير صريحة ومبهمة، في السعادة والانسجام، من أغلب الشعوب العربية، ومن هذا خاصة تستمد فكرة الوحدة صلاحيتها الأخلاقية .

   لاشك ،أن أية قراءة تشخيصية لنقاط قوة وضعف خطاب هشام جعيط ،سوف تقودنا إلى منحى بياني هابط يمتد نزولاً من هذا الحماس الإيديولوجي الكبير بمستقبل الأمة العربية وقدرتها على الفعل في عالم متغير، وبقدرة المشروع القومي –الاشتراكي على النهوض بالأمة، إلى فقدان كل حماس بهذا المشروع، فلا مشروع ولاهم يحزنون ومن الغلط الحديث عن مشروع حضاري عربي، ولا حتى عن أي حضور عربي عالمي في عالم اليوم .

   كان جعيط قد عاب على الفكر القومي العربي نزعته التشاؤمية ورؤيته اللانقدية الانطباعية للواقع العربي، وهي الرؤية التي تحضر في معظم الخطابات العربية الانفعالية التي يحررها المؤدلجون العرب والتي تنعت الواقع العربي بالهشاشة والقصور والجهل والخرافة وغيرها ممن ساهم فيها المحللون النفسيون العرب الذين استفاضوا في الحديث عن سيكولوجية المجتمع العربي وسيكولوجية الإنسان المقهور وكأن الإنسان العربي قادم من كوكب مجهول والذي لا يمت بصلة إلى الواقع الإنساني في تنويعاته المختلفة، ولذلك فقد أفسح مجالاً في رؤيته لتجاوز ذلك إلى الدور الكبير الذي يلعبه المفكرون العرب في تجديد المشروع القومي العربي وفي صياغته من جديد، وذلك إيماناً منه بدور هذا المشروع القومي العربي في نهضة الأمة .يكتب جعيط :لا ريب أننا نكون واهمين لو اعتقدنا أن الوحدة العربية ستكون من عمل الشعوب، وهو يعادل وهماً آخر يريد أن يجعل من الوحدة منـتوجاً لاجتماعات الحكام، فلابد من التعاون بين القاع والقمة، وأن يبذل المفكرون الجهد ويتصوروا المشروع الذي يمكن أن تنهض عليه الأمة والتي يمكن لها أن تقف في وجه أعدائها .خاصة وأن جعيط يموضع المشروع القومي العربي في مواجهة المشروع الإسرائيلي القائم على التوسع والعدوانية.

    أعود للتساؤل :كيف لنا أن نفهم مسار هذا التحول ؟ من الإيمان بالمشروع القومي العربي، إلى التحول عنه لكي لا نقول الكفر به ؟ هل العرب عصيون على الحداثة والتغيير وغير قادرين على النهضة. وبالرغم من أن جعيط يغمز من هذه القناة ،عندما يحاول أن يقنعنا بعجزنا المستمر وعن قابليتنا للاستبداد والاستعباد، ففي كتابه أزمة الثقافة العربية الإسلامية –كما مر معنا- حاول جعيط أن يقنعنا بأن العالم الإسلامي ليس أكثر من" صحراء ثقافية " وأننا مجتمع عربي إسلامي " أعطى رقبته للذبح وألتذ بموته " لا بل أنه يضيف في مكان آخر، أننا عاجزون عن امتلاك التكنولوجيا، وهذا ما يردده مع بداية الألفية الجديدة بعض المثقفين العرب ممن فقدوا ثقتهم بمجتمعهم وبالإيديولوجيا القومية والنهضوية عموماً.

من وجهة نظر محمد عابد الجابري في نقده لإيديولوجيا الإحباط والهزيمة التي يعج بها الخطاب العربي المعاصر ،أن هذا التحول من الثورة إلى الردة ،من الإيمان بدور المفكر إلى اعتبار ما ينتجه أوهاماً، هو ناتج الشيخوخة، فعالم الكبار غير عالم الشباب المسكون بهاجس الثورة والتغيير .

   لا أظن أن ذلك وحده يفسر هذا الانغماس الحاد في إيديولوجيا الإحباط والذي يميز الكثير من الخطابات للشباب والشيـبة، فنـزعة التشاؤم عن محمد جابر الأنصاري في بحثه عن جذر العطل العميق لا تبتعد كثيراً عن نزعة التشاؤم عند جعيط ،وكذلك كثيرون ،وفي رأيي أن الفقر النظري الذي لازم الخطاب النهضوي في كافة صنوفه ( الليبرالي والقومي والإسلامي ) ،هو ما يفسر هذه الانتكاسة ،وما يفسر هذه التحولات المتعاكسة من النهضة إلى الثورة ،ومن الثورة إلى النهضة ،وهذا يعني من وجهة نظرنا ،أن دور المثقف العربي والمفكر العربي الذي يصر البعض إلى إعطائه مكانة خاصة ( علي حرب وفهمي جدعان وجعيط) يمكن أن يلعب دوراً هاماً في تجديد المشروع النهضوي العربي بعيداً عن حالة اليأس التي تمهر أغلب الخطابات التي تتحدث عن النهضة ؟ وبخاصة في سياق المأزق الحالي الذي تمر فيها الأمة العربية والذي لا ينفع معه استقالة العقل والإرادة معاً ؟   

التعليق