مخطوطات البحر الميت (قصة الاكتشاف)

تم نشره في الجمعة 7 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

   يقدم كتاب أسامة العيسة مخطوطات البحر الميت (قصة الاكتشاف) عرضا لقصة اكتشاف مخطوطات البحر الميت في خربة قمران على يد رجلين من عرب التعامرة في عام 1947 أثناء رعيهما الأغنام في تلك المنطقة المطلة على البحر الميت من الغرب. انتقلت هذه المخطوطات من الرعاة إلى إسكافي في بيت لحم ثم إلى مطران السريان الأرثوذكس ماراثناسيوس يشوع صموئيل الذي قام بتهريبها إلى الولايات المتحدة. لكن ما وقع بين يدي الراهب هو جزء من هذه المخطوطات التي وصلت أخيرا "إسرائيل" بعد أن قبض الراهب الثمن، وهناك مجموعة أخرى وصلت إلى أيدي الإسرائيليين عن طريق أفراد تاجروا في هذه المخطوطات، أما الجزء الأهم فهو ذاك الذي كان محفوظا في المتحف الفلسطيني/ ركفلر في القدس الشرقية بأمر من دائرة الآثار العامة الأردنية التي تولت عمليات التنقيب الرسمية عن هذه المخطوطات منذ عام 1949، وكانت قد احتفظت بما عثرت عليه من مخطوطات أو تمكنت من شرائه في عمان، لكن صدر قرار بنقلها إلى المتحف الفلسطيني عام 1966. فجاء الاحتلال عام 1967 ليصادر موجودات المتحف وفي مقدمتها مخطوطات البحر الميت وقام بنقلها إلى متحف (بيت الكتاب) التابع لمتحف "إسرائيل" بالقدس الغربية.

   الجديد في قصة الاكتشاف التي يقدمها هذا الكتاب هو توثيق رواية محمد حامد أحد الرجلين الذين عثرا على أول مجموعة من المخطوطات. والكاتب يعتقد بأنه يقدم "قصة غير كاملة" حول هذا الاكتشاف المذهل، ويعلن أن قصده من نشر هذه القصة هو التذكير بأهمية المخطوطات، وبالحق الضائع الذي سلبته "إسرائيل". وهو يشير إلى هذا الكنز الوثائقي التاريخي الهائل الذي يضم ما لا يقل عن 600 مخطوطة يصل عدد صفحاتها إلى 400.000، مكتوبة باللغة العبرية القديمة، وبعضها باللغة الآرامية، وجزء قليل باللغة اليونانية على جلود الحيوانات أو محفور على لفائف نحاسية.

أهمية المخطوطات

   أثارت المخطوطات وما زالت جدلا واسعا بين الباحثين، حيث كتبت عنها أكثر من ثلاثة آلاف دراسة، وهناك من عدها أعظم اكتشاف أثري في القرن العشرين، وأهميتها لدى الباحثين لا تتوقف حول ما تقدمه من معلومات جديدة حول الديانة اليهودية، والعهد القديم، وطائفة الأسينيين، ولكن حول كميات (الذهب والفضة) التي أرشدت إلى أماكن تخزينها في أماكن منتشرة شرقي فلسطين. وهذا ما تعمل فرق التنقيب الأثري الإسرائيلية المزودة بأحدث الوسائل والأدوات الجيوفيزيائية في البحث عنها.

    لكن هذه المخطوطات تضم مجموعة من الوثائق الدينية والتاريخية اليهودية الهامة مثل سفر إشعيا، وتفسير حبقوق، وسفر النظام، حرب أبناء النور وأبناء النظام، ومخطوطات لامك، ومزامير التسبيح والشكران، وقطع من أسفار متنوعة، وكتابات تتعلق بمذاهب سكان قمران من الأسينيين الذين عاشوا طبقا لتاريخ المخطوطات، من القرن الثاني قبل الميلاد حتى عام 70م. وتكمن أهمية الكشف عن مخطوطات هذه الطائفة لأنها أقدم بألف عام من أقدم مخطوطات للعهد القديم معروفة الآن، إضافة إلى الاختلاف بينهما.

الأسينيون: من هم ؟

   إذا اختلف الباحثون حول طبيعة المخطوطات ومضمونها، فإنهم متفقون على أصحاب هذه المخطوطات، الذين عرفوا بجماعة الإسينيين، وهي جماعة دينية يهودية كانت تؤمن بمجيء المخلص الذي يضيء النور بعد الظلام، عاش هؤلاء حياة المتصوفة بعيدا عن ترف الحياة. وقد تعلق هؤلاء بما عرف "بمعلم الصلاح" أو "معلم البر" أو "سيد العدل" أو "السيد الأكبر" مما دفع البعض إلى اعتبار الأسينيين هم المسيحيون الأوائل. وما زال الجدل دائرا بين الباحثين حول علاقتهم بالسيد المسيح عليه السلام وحول دلالات هذه المبشرات، وهل هي تبشير برسول الإسلام الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ؟ !

من ينقذ الحقيقة ؟ 

   المؤلف يرى ضرورة المطالبة باستعادة هذه المخطوطات من أيدي الإسرائيليين، ويشير إلى اهتمام إسرائيل بتجاهل هذه المخطوطات، وتعمد عدم نشرها أو التعريف بمضمونها اعتقادا بأن القيام بنشرها سوف يغير كثيرا من الفرضيات التاريخية والتوراتية، وسيبطل كثيرا من الادعاءات التاريخية والدينية لتسويغ اقتلاع شعب من أرضه، وإحلال يهود جيء بهم من أنحاء العالم مكانه.
    ويلفت المؤلف الأنظار إلى حجم التحديات العلمية والمنهجية التي تعترض الدراسات التوراتية، ومحاولات الصهاينة الاعتماد على المقولات التوراتية كحقائق علمية، واجتهادهم في تسخير هذه المقولات للدفاع عن ادعاءات تاريخية لليهود في فلسطين. ويشير المؤلف إلى المراجعة النقدية التي يقدمها الباحث الإسرائيلي الشهير البروفسور زئيف هرتسغ الأستاذ في قسم آثار وحضارة الشرق القديم في جامعة تل أبيب. إذ يورد أمثلة عدة على تناقض المكتشفات الأثرية مع رواية التوراة من فترة إبراهيم وإسحق ويعقوب والخروج من مصر والتيه في سيناء واحتلال المدن الكنعانية وحتى مملكة إسرائيل.

    والمؤلف يهتم بلفت الأنظار إلى أخطاء منهجية يقع فيها الباحثون الأثريون والمؤرخون العرب بتركيزهم على تاريخ فلسطين والقدس ابتداء من الفتح العربي الإسلامي، ظنا منهم بأن ذلك يكفي لدحض الادعاءات الصهيونية، وإهمالهم للوجود العربي في هذه البلاد منذ 3500 عام قبل الميلاد.

   ويعتقد المؤلف أن قصة هذه المخطوطات ما زالت غير مكتملة بعد، لأن الغموض ما زال يكتنف ما قامت به حكومة الاحتلال وما زالت تقوم به بخصوص هذه المخطوطات، خاصة وأنها جددت عام 1996 البحث عن بقايا اللفائف والمخطوطات ورصدت لهذه الحملة التي أعادت النقاش من جديد حول المخطوطات أكثر من مليون شيكل. وهناك احتمال بوجود مخطوطات لم يعثر عليها بعد.

   من الواضح أن الكتاب يقدم معالجة غير أكاديمية للموضوع، ويعنى بتعريف القارئ غير المختص بقصة اكتشاف مخطوطات البحر الميت ولفت الأنظار إلى أهميتها الدينية والتاريخية.

التعليق