موسم الهجرة الى الميكروفون

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

بعد فترة وجيزة تنتهي اللجنة المالية في مجلس النواب من دراسة مشروع قانون الموازنة العامة للدولة للعام الحالي, وبعدها يبدأ المجلس بمناقشة مشروع القانون في موسم سنوي متكرر قد يختلف هذا العام باقترانه بمناقشة اداء الحكومة وانجازاتها, وهكذا سيكون الاردنيون على موعد مع (100) خطاب على الاقل معدل كل خطاب منها (15) دقيقة, وان كان هذا الوقت لا يكفي البعض للمقدمة والبلاغة والمرادفات والسجع والطباق.

ويعلم السادة النواب ان هذه الكمية الكبيرة من الخطابات لا تجد لها مستمعين او متابعين, وبخاصة انها تكرار لخطابات الاعوام الماضية, كما انها في معظمها لا تمثل مناقشة علمية للموازنة او لسياسة الحكومة الاقتصادية بقدر ما هي احاديث عامة يختلط فيها النقد والمديح والمطالب والرسائل, كما ان الناس لم يعودوا يرون اي ارتباط  عضوي بين الكلمات البرلمانية والمواقف, فقد عاشوا مواسم من القصف العشوائي على حكومات وموازنات لكن النتيجة كانت (سعيدة) للحكومات كما هو حال المسلسلات والافلام والقمم العربية.

وحالة الضجر والملل لا تقتصر على الموطن بل تمتد الى السادة النواب انفسهم, حيث يزداد الغياب عن الجلسات او الخروج الجماعي منها فالحضور قليل والاهتمام اقل, والبعض يغيب الى حين اقتراب موعد القاء كلمته, كذلك الحال بالنسبة للحكومة التي تتعطل شؤون الوزراء وهم يجلسون اياما طويلة, كل هذا والجميع ينظرون الى كل هذا باعتباره فترة زمنية ستمر فالعبرة بالنهايات والاعمال بخواتيمها.

ربما ان الاوان ان يبادر المجلس الى فعل منهجي يعبر عن ادارة علمية, فانتخابات الرئاسة شهدت تشكيل ائتلافين كبيرين اضافة الى بقاء بعض المستقلين خارج الاطارين, وطرح قادة الائتلاف الامر على انه ليس مرتبطا بالانتخابات, فلماذا لا يقدم كل ائتلاف خطاب موحدا حتى لو كان مطولا يتضمن رؤية الائتلاف لسياسات الحكومة الاقتصادية ومناقشة لادائها ومواقفها, بحيث يكون نتاج حوار بين مفردات كل ائتلاف وتعبيرا عن القواسم المشتركة, وان يتضمن الخطاب الموحد حلولا واقتراحات وبدائل ومواقف, اما المطالب الخدماتية لكل منطقة فيتم تقديمها مكتوبة الى الحكومة عبر رئاسة المجلس ويتم متابعة ما يمكن تنفيذه, بحيث تكون مطالب واقعية, فما كنا نشهده مطالب اقرب الى الاحلام بحيث تحتاج بعض المحافظات الى نصف موازنة الاردن لتغطيتها, وهذه المطالب يذكرها النائب وهو يعلم عدم واقعيتها لكنه يذكرها حتى يسمعه الناس وحتى يقول انه طالب لهم بجامعة ومستشفى....

ولو افترضنا ان واقع الائتلافين لا يحقق وحدة الموقف فإن الاقتراح ان تكون الكلمات لكل كتلة, لكن بشرط ان لا يتكرر ما حصل سابقا, حيث كان مقرر الكتلة او رئيسها يلقي كلمة موحدة ثم تسمع بعد ذلك الكثير من الكلمات الفردية من اعضاء الكتلة, تحمل ذات المواقف والتكرار وبشكل يفقد الكلمة الجماعية قيمتها ودلالاتها وتصبح وكأنها كلمة رئيس الكتلة فقط.

ونتمنى على السادة النواب ان تتوافق كلماتهم وخطاباتهم مع مواقفهم فهذا مما يحافظ على مصداقية النواب وقوة حضور المجلس, وبخاصة ان السادة النواب لاحظوا ردود فعل الناس على التناقض الذي حملته مواسم ثقة وموازنات سابقة.
واخيرا فإن هذه المواسم احد مقاييس الادارة السليمة من رئاسة المجلس والكتل للعمل, فالمهم ليس اعتلاء المنبر والقاء عشرات الكلمات المطولة بل ان يسمع الاردنيون والمتابعون علما نافعا ونقدا موضوعيا ومواقف واضحة.

التعليق