ملاحظات على بيان الموازنة العامة لعام 2005 (1/3)

تم نشره في الأربعاء 5 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

قدمت الحكومة إلى مجلس النواب بيانها حول مشروع الموازنة لعامة لعام 2005 ، متضمنا ما حققه الاقتصاد الأردني من إنجازات ، كما تضمن ابرز ملامح مشروع الإيرادات العامة والإنفاق العام وعجز الموازنة ، ومما جاء في البيان "ويمثل مشروع قانون الموازنة العامة الذي بين أيديكم أول مشروع قانون تقدمه الحكومة بعد استكمال مسيرة الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والتي استمرت على مدى خمسة عشر عاما، هذه المسيرة التي حقق الأردن خلالها العديد من الإنجازات الايجابية ، فقد استعاد اقتصادنا عافيته وملاءته الدولية من خلال تخفيض عجز الموازنة إلى نسب متدنية وتقليص نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي والاحتفاظ باحتياطيات مناسبة من العملات الأجنبية وثبات سعر صرف الدينار وكبح جماح التضخم ، وأدى كل ذلك إلى تعزيز استقرار الإطار الكلي للاقتصاد الوطني ....، وبهذا الصدد أرجو أن أؤكد لمجلسكم الكريم بأن الحكومة عازمة على الحفاظ على هذا الإنجازات وتعزيزها...

ما يهدف هذا النهج إلى الحفاظ على معدل التضخم ضمن مستويات معتدلة ومواصلة تخفيض عجز الموازنة العامة وتخفيض المديونية....والحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وبناء احتياطيات كافية من العملات الأجنبية مع العمل على توفير الظروف الملائمة لنمو الصادرات بنسب نمو مرتفعة وتحقيق توازن في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات" .

أعتقد أنه من غير المناسب الإعتداد ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تم تطبيقه من قبل صندوق النقد الدولي في تنمية الاقتصاد الوطني، لأن الواقع يثبت أن هذا البرنامج قد دفع باقتصادنا الوطني نحو الجمود والتقوقع ، بينما قطعت الكثير من الدول أشواطا طويلة في مضمار التقدم الاقتصادي، حيث لم يلمس المواطن الأردني أي نتائج ايجابية لهذا البرنامج بالرغم مما يكال له في التصريحات والبيانات الرسمية من مديح وتبجيل، سواء من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أو من حيث مستوى الدخل الحقيقي للفرد في الأردن الذي يعتبر من أدنى المستويات العالمية، وهو ما تؤكده التقارير الدولية والرسمية التي تقدر معدل دخل الفرد بـ 767 دينارا في السنة حسبما تضمنه تقرير التنمية البشرية لعام 2004 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ووزارة التخطيط الأردنية،

والذي يعتبر أقرب ما يكون إلى خط الفقر العالمي المحدد من قبل البنك الدولي  بدولارين للفرد يوميا ، كذلك عجز هذا البرنامج عن معالجته مشكلة العجز المزمن في الموازنة العامة ، الذي أدى إلى تفاقم مشكلة المديونية العامة (الداخلية والخارجية) التي أثقلت كاهل دافع الضرائب بأعباء خدمتها ، ولولا هذه المديونية لكان وضعنا الاقتصادي بألف خير .

ومع أن الحكومة تقدم وعودا سنوية تتضمن تخفيضا للدين العام، إلا أن حصيلة هذه الوعود لم تكن على المدى الطويل سوى زيادة في مستواه، فبينما شكلت هذه المديونية، السبب الرئيسي لازمة الأردن الاقتصادية وتداعياتها في عام 1989 التي أدت إلى اندلاع أحداث العنف في منطقة الجنوب ، فقد بلغت حينذاك 6404 ملايين دينار (منها 5409 ملايين دينار ديون خارجية و 995 مليون دينار ديون داخلية) ، بينما ارتفعت إلى 7000 مليون دينار في الوقت الحالي من عام 2004 ، أما التغير في مستوى المديونية على المدى القصير فان انخفاضها من 7100 مليون دينار في عام 2003 إلى 7000مليون دينار في عام 2004 حسبما جاء في بيان الموازنة يعتبر تخفيضا غير كاف بتاتا ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المديونية العامة سترتفع في عام 2005 لتغطية عجز الموازنة البالغ 270 مليون دينار وهو ما يثبت عدم قدرة السياسات المالية والنقدية الحكومية وتوجيهات وبرامج البنك وصندوق النقد الدوليين عن معالجة هذه الأزمة المستعصية .  

أما النقطة الثانية المتعلقة بموازنة عام 2005 فهي التأثير السلبي لارتفاع سعر صرف اليورو مقابل الدينار الأردني، على كل من المديونية الخارجية ومعدلات التضخم، حيث انخفض سعر صرف الدينار مقابل اليورو من 1.253 يورو/دينار في نهاية عام 2003 إلى 1.032 يورو/دينار في نهاية عام 2004 أي بانخفاض نسبته 18% ، بينما انخفض سعر صرف الدينار مقابل الجنيه الإسترليني خلال نفس فترة المقارنة من 1.116دينار/جنيه إلى 1.36دينار /جنيه أي بانخفاض نسبته 22% وسيؤدي ذلك إلى رفع قيمة الدين العام الخارجي بالعملات الأجنبية التي حققت ارتفاعا مقابل الدينار الأردني عند تحويل قيمتها الى الدينار الأردني ، لذا كان ينبغي على الحكومة أن تضمن خطاب الموازنة تقييما رقميا دقيقا لهذا التغير الذي سوف يظهر أن المديونية الخارجية قد حققت ارتفاعا وليس انخفاضا كما جاء في بيان الموازنة.


كما سيؤدي انخفاض سعر صرف الدينار الأردني مقابل اليورو بنسبة 18% إلى ارتفاع معدل التضخم المحلي أكثر مما أعلنت عنه الحكومة في بيانها والبالغ 3.3% ، باعتبار أن الأردن قد استورد من دول الاتحاد الأوروبي خلال العشرة اشهر الأولى من عام 2004 ما قيمته 1080 مليون دينار وتعادل ما نسبته 24% من إجمالي مستوردات المملكة ، مما يعنى أن هذه المستوردات قد تضمنت ارتفاعا في قيمتها يعادل الانخفاض في قيمة سعر صرف الدينار مقابل اليورو بنسبة 18%.


أما الحساب الجاري في ميزان المدفوعات لعام 2004 الذي اشار اليه البيان فسيبلغ أسوأ أوضاعه، نتيجة للعجز في الميزان التجاري غير المسبوق في تاريخ المملكة والذي سيتجاوز 2600 مليون دينار، مما سيحول الحساب الجاري في ميزان المدفوعات من فائض بلغ 683 مليون دينار في عام 2003 إلى عجز بنهاية عام 2004 والذي يعتبر من العوامل المؤذية للاقتصاد الوطني.
وللحديث يقية..
محلل اقتصادي أردني

التعليق