دولة الخداع : أمريكا في حرب مع العالم

تم نشره في الثلاثاء 4 كانون الثاني / يناير 2005. 02:00 صباحاً

 كتاب "دولة الخداع" للصحفي المخضرم ت.د. ألمان يروي قصة صعود جورج بوش الابن وزمرة المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض. وما نجم عن ذلك من بدء حقبة جديدة من الخطر وعدم الاستقرار في العلاقات الدولية خاصة إبان الفترة التي شن خلالها الرئيس الأمريكي غير المنتخب حرباً لا داعي لها في العراق.

 ولعل هوس الإدارة الأمريكية بالحرب وتحديداً بغزو العراق يأتي منسجماً ضمن السياق العام لأداء الإدارة بعزل نفسها عن بقية العالم وخلخلة إستقراره؛ إبتداء باستهتارها بالجهود العالمية لحظر التعذيب والأسلحة الكيماوية إلى رفضها توقيع اتفاقية "كيوتو" واتفاقية حظر التجارب النووية ،انتهاء بمحاولاتها التخريبية لإفشال جعل الجرائم الدولية ضد الإنسانية جرائم تحت طائلة القانون.

.د. ألمان يستهل كتابه بوصف رئاسة بوش الابن الأولى قائلاً "هي كوميديا لأولئك الذين يفكرون وتراجيديا لأولئك الذين يحسون" ويؤكد لأن كان العالم قبل أربع سنوات من توليه الرئاسة للمرة الأولى مكاناً خطراً فإنه بلا شك اليوم أصبح أكثر خطراً منذ استلام بوش الابن الرئاسة ويزداد خطراً مع كل يوم يمضيه في البيت الأبيض.

إدارة لا شرعية منذ البدء
     لقد كان أول قدوم ٍلبوش الابن للبيت الأبيض جدلياً لا شرعياً. ففوزه بالمنصب لم تحسمه صناديق الاقتراع وإنما قرار محكمة العدل العليا ، فالأصوات في ولاية فلوريدا والتي جرى الاختلاف حولها لم يتم إعادة عدها ؛الأمر الذي لربما أسفر عن فوز آل غور المرشح الديموقراطي في ذلك الوقت، وإنما تدخلت محكمة العدل العليا وأوقفت العد وحسمت الخلاف لصالح الجمهوريين بالرغم من الاحتجاجات الكثيرة في الشارع الأمريكي من لا ديموقراطية التدخل. خاصةً وأن تركيبة القضاة تشير إلى عدم حيادية قراراتها خاصة رئيس المحكمة "ويليم رينكويست" المعروف بانحيازه العنصري والحزبي، بل إنه صعد لهذا المنصب بعد سلسلة من التعيينات التي حفزتها انتماؤه الحزبي.

     وكما كان هناك تحفظات على شرعية رئاسة جورج بوش الابن فقد كان هناك الكثير من الجدل حول دستورية نائبه"ديك تشيني". فالدستور الأمريكي ينص صراحةً على أنه ينبغي أن يكون الرئيس ونائبه من ولايتين مختلفتين، وفي حال كونهما من نفس الولاية فإنه يُحظر على مواطني تلك الولاية من التصويت لهما.

غير أنه في حالة بوش الابن وتشيني وكليهما من "تكساس" سُمح للمواطنين بالتصويت بحجة أن تشيني من مواليد "وايومنغ" مع أن الدستور يتحدث عن مكان السكن والإقامة وليس مكان الولادة. أما "دونالد رامسفيلد" وزير الدفاع والذي جاء للمنصب بناء على تزكية ودعم من صديقه "ديك تشيني" فلم يخض حرباً بنفسه قط، ولم يخدم في منطقة نزاع ، وإنما كان دأبه منذ قرر اعتزال الكونغرس أن يحصّل نفوذا ومالا عبر المناصب غير المنتخبة والتي يصل إليها بدعم أصدقائه أو انتماءاته الحزبية.

زرع الأسافين
     في صبيحة يوم 11/9/2001 وبضربة واحدة ثبت أن أسلحة أمريكا ذات التكنولوجبا العالية بما فيها أجهزة التجسس المنبثة في الفضاء والقنابل الهيدروجينية والغواصات النووية وغيرها غير قادرة على حماية الأمريكيين .

الوحيدون الذين فعلوا شيئاً لحماية الأمريكيين مدنيون مجهولون على متن إحدى الطائرات المخطوفة، والذين ضحوا بحياتهم لمنع الخاطفين من ضرب هدفهم الرابع في حين كان القائد الأعلى للقوات المسلحة ونائبه ومستشارته آنذاك للأمن الوطني يشاهدون الوقائع عبر شاشات التلفاز . فالرئيس بوش الابن لم يصل لموقع الحدث ( حطام البرجين)إلاّ يوم 14/9.

 كل ما فعلوه أنهم أمضوا وقتهم في الحسابات السياسية، فقد تعاملوا مع 11/9 على أنه حدث ينبغي الاستفادة منه سياسياً لخدمة أهدافهم بصرف النظر عن المصالح الوطنية الملّحة. ولم يتوقف الأمر عند ذاك الحد بل إن الإدارة وبعد فشلها في القبض على أسامة بن لادن بالرغم من مرور ثلاث سنوات على غزو أفغانستان وتدمير ذلك البلد المدمر أصلاً، بحثت عن حرب جديدة للتغطية على فشلها. ولمّا كان العراق، والذي فشل "ديك تشيني" في إثبات علاقته بأحداث 11/9 ، بالأصل الهدف الأوليّ لإدارة البيت الأبيض، فقد كان الوقت مناسباً لاستغلال مسألة تدهور حقوق الإنسان والترويج لتحرير العراقيين لتبرير غزو العراق.

 تلك المعركة التي لم يتم الإعداد العسكري المناسب لها والسبب البسيط وراء ذلك أن "تشيني" و"رامسفيلد" ومن ورائهم الرئيس بوش الابن نفسه رفضوا السماع  لنصح الخبراء الذين خاضوا بالفعل حروباً ويعرفون بالخبرة المباشرة الكلفة البشرية والمادية لحرب كهذة في ارض كتلك.

  فالبرغم من أن الحرب انتهت في التاريخ الذي أرادته الإدارة ، حرب الاجتياح إلا أن الحرب الحقيقية كانت للتو ابتدأت ، تلك هي حرب المقاومة الشعبية أوحرب العصابات. ومع ذلك تجاهل بوش الابن كل ما يحدث والخسائر البشرية التي تقع وأعلن في ذكرى 4/7 على متن إحدى الناقلات  البحرية العسكرية نجاح حرب التحرير المزعومة، غير آبهٍ حتى بإبداء أيّ قدر من التعاطف مع أولئك الذين يقتلون من الجنود الأمريكين في أرض العراق، ومتجنباً في ذات الوقت الحديث عن إخفاق الإدارة الأمريكية في تحقيق أهدافها في الحرب على الإرهاب بل حتى وفي تحقيق أي تقدم يذكر.
   
     ولعل استقالة "جيمس جيفردز" عضو الكونغرس الجمهوري المخضرم في الحزب والمعروف بولائه المطلق عبر السنوات الست والعشرين في الكونغرس مؤشر على مدى فردانية سياسات الإدارة الأمريكية وبعدها حتى عن توجهات الحزب العامة. فـ"جيفردز" لم يستطع البقاء مع الحزب ودعمه في الكونغرس حين عمد بوش الابن في 2001 إلى تخفيض الضرائب وخّفض في ذات الوقت الدعم للمشاريع الحكومية الاجتماعية الأخرى ، بحيث أفاد الأغنياء ورفع الدعم عن الفقراء.

   أيزنهاور قُبيل تنحيه حذر من أن الولايات المتحدة لديها اقتصاد وسياسة ومجتمع مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالنمو والإنتاج العسكري والأسلحة وحذر من اللوبي القوي الذي يمثل تلك الصناعة، مشيراً الى تأثير ذلك على التوجه السياسي للولايات المتحدة وأكد على ضرورة تخفيف ذلك التأثير وإلا فإن أمريكا لن تلعب الدور المفترض بالقوة العظمى. وما يجري اليوم ، والعزلة التي تحيط بالإدارة الأمريكية عن بقية العالم ما هو إلا دليل على ما حذّر منه أيزنهاور.
شرٌ لا داعي له

    لعل واحد من أكثر المفاهيم شيوعاً وإشكاليةً في السياسة الأمريكية مفهوم "الشر"، فبالرغم من أنه من أكثرها استخداماً على مستوى رجل الشارع والذي يستخدم عادةً في التعبير عن الآخر المختلف، إلا أنه أيضاً إشكالي جدلي نظراً إلى أنه غير ثابت ونسبي. ذلك أن إستعراضاً للسياسة الأمريكية عبر الخمسين سنة الماضية يوضح تماماً مدى التذبذب في ذلك المفهوم وعدم وضوح المرجعية التي يستند إليها في إلقاء ذاك اللقب أو الوصف.

    ففي وقت ما وصف "ماو" في بداية صعوده أنه المخلّص للصين وأشيد بتوجهاته ثم انقلب ذلك ليصبح مثالاً على الشر، وكذا الحال مع "بول بوت" و"صدام حسين" فالأخير في وقتٍ ما حظي بالدعم والتأييد الأمريكي السياسي بل والعسكري. والمثير للاهتمام أنه في حالة "صدام حسين" وبالرغم من أن الإدارة الحالية شنت عليه الحرب لمعاداته للحرية وللشر المطلق الذي يمثله، قبيل قدومهم للبيت الأبيض فقد كان لكلٍ من بوش وتشيني تعاملات مالية مع نظامه عبر ما عُرف بالغذاء والدواء. ويبدو أنهم لم يعتقدوا ان شر ذلك النظام ينبغي أن يحول دون كسبهم للمال من خلاله.
 
     ويخلص ألمان إلى أن الأشرار كانوا دائماً وأبداً من نصفهم كذلك حتى لو كانوا بين الخّيرين فيما سبق. فعندما يتم معارضة أمريكا أو محاربة سياساتها فذاك "شر" يجب محاربته. ولما كانت أمريكا والحرية صنوان فتلك الحرب كانت تُشن باسم الحرية والدفاع عنها.

 غير أن المشكلة في إدارة البيت الأبيض أنها أسبغت هذا اللقب حتى على بعض حلفائها السابقين فقط لإنهم لم يدعموا حرباً غير مبررة على العراق.

ويبدو أن الرئيس بوش الابن للآن وبالرغم من كل شيء يفترض الشر والخطأ في الآخرين دون أن يتوقف ليسأل نفسه عن سبب حجم هذا الكره الذي أحدثه في العالم لكل ما هو أمريكي. هل يعقل أن يكون هو وحده على صواب والعالم أجمع خطأ؟ غير أن هذا هو بالضبط سبب هذا الإفساد الذي تسببه الإدارة الحالية في العالم، فهي تفترض الصواب ما تراه هي وما سواه شر وباطل.

    ويختم ألمان بقوله : لقد علّمنا بوش الابن درساً ينسجم تماماً مع معتقد أمريكي راسخ " رجلٌ واحد يمكن أن يُحدث الفرق" وأنا أضيف إذا "أعطيته الحرية الكافية ليفعل ذلك " والأمريكيون لابد أن يمنعوه من إحداث المزيد من التغيير في العالم للأسوأ.

    إلا أن كتاب "دولة الخداع: أمريكا في حرب مع العالم" صدر قبل الانتخابات الأمريكية التي أسفرت عن تجديد رئاسة بوش الابن لأربع سنوات قادمة ، وكغيره من المطبوعات حاول أن يبين للناخب الأمريكي خطورة تجديد رئاسة بوش الابن ، لكن هذه الجهود ذهبت أدارج الريح لأسباب عدة منها ضعف المرشح الجمهوري واستغلال بوش الابن للخطاب الديني وتحريكه لجموع كانت ساكنة فيما سبق ألا وهي جموع رواد الكنائس.    
 

التعليق