الآباء والأبناء العرب

تم نشره في الأحد 2 كانون الثاني / يناير 2005. 03:00 صباحاً

    كانت وفاة ياسر عرفات والشيخ زايد، الذي حكم الإمارات العربية المتحدة لمدة طويلة، استمراراً لتغيير الأجيال الذي بدأ في 1999 ـ 2000 حين توفى زعماء الأردن، والمغرب، والبحرين، وسوريا في تعاقب سريع. وفي كل أرجاء الشرق الأوسط فإن الشعوب أصغر سناً، وزعماءهم السياسيين أكبر سناً، من المتوسط العالمي. وإن الإحلال التدريجي لجيل من النخبة بجيل آخر قد يشكل أحد العوامل الرئيسية في تقرير ما إذا كان العالم العربي قد يشهد إصلاحاً حقيقياً بالفعل.

 

     في الوقت الحاضر، تتعايش أربعة أجيال سياسية معاً في إطار الخريطة السياسية الاجتماعية للمنطقة. ولقد ولدت الزعامات الراحلة أو التي في طريقها إلى الرحيل ـ مثل عرفات، والملك حسين، وحافظ الأسد، والملك فهد، والرئيس مبارك ـ قبل عام 1935. ولقد ظلت هذه الزعامات ترسم الأحداث في الشرق الأوسط منذ سبعينيات القرن العشرين.

 

     شب هؤلاء الزعماء عن الطوق وبدأوا يباشرون العمل في فترة الاستقلال عن الاستعمار. ولقد فُـطِموا على أفكار جمال عبد الناصر، والقومية العربية، وكان الحدث السياسي الحاسم العصيب بالنسبة لهم هو هزيمة 1967 في الحرب العربية الإسرائيلية. ولقد سعى أفراد هذا الجيل إلى تقوية الزعامة العربية التي من شأنها أن تخلق توازن القوى مع إسرائيل.

 

     كما كانوا يؤمنون ـ أو على الأقل كانوا يلهون ـ بأشكال من الاشتراكية وسيادة الدولة، ولم ينظروا إلى الديمقراطية أو الحقوق المدنية باعتبارها من الأولويات.

 

    أما أهل الجيل التالي فقد ولدوا في الفترة ما بين 1935 و1955، وهم من جوانب عديدة يمثلون جيلاً "وسطاً". ولقد استفاد أغلبهم من النمو الاقتصادي واتساع فرص التعليم علاوة على ازدهار صناعة البترول الذي شهدته فترة سبعينيات القرن العشرين. وفي ذات الوقت، ظلت المشاركة السياسية مقتصرة على الجيل السابق الذي لم تخطر له قط فكرة التخلي عن السلطة طواعية. ومما لا يثير الدهشة أن العديد من أفراد هذا الجيل قد شبوا في حالة من الشعور بعدم الرضا، فبدأ كثيرون منهم في البحث عن البدائل الإسلامية للأنظمة السياسية السائدة.

 

    وبدلاً من أن يشارك أفراد هذا الجيل في تقرير الأحداث في العقدين أو العقود الثلاثة القادمة، فإن نصيبهم سيكون على الأرجح أن يُـنَحّوا جانباً من قِـبَل الجيل التالي ممن ولدوا في الفترة ما بين 1955 و1975. وهذا هو الجيل الذي ينتمي إليه الرئيس بشار الأسد في سوريا، والملك عبد الله، ملك الأردن، ومحمد السادس ملك المغرب. ويطلق بعض الناس على هذا الجيل "جيل الأبناء" ـ أبناء الزعماء الذين قادوا دولهم لعقود من الزمان.

لم يتأثر أبناء هذا الجيل كثيراً بالحروب العربية الإسرائيلية أو بالصراع بين الشرق والعرب. لكن ثقافتهم السياسية تضمنت بدلاً من ذلك حرب الخليج في عام 1991، وعملية السلام بين العرب وإسرائيل التي شهدتها مرحلة تسعينيات القرن العشرين، كما عاصروا الأزمات التي تعرضت لها هذه العملية وانهيارها في النهاية. ويعتبر مروان البرغوثي زعيم حركة فتح في الضفة الغربية ـ السجين الآن ـ ممثلاً لهذه المجموعة مثله كمثل زعيمي سوريا والأردن.

 

    وأبناء هذا الجيل أكثر اطلاعاً على أفكار العولمة والإصلاح الاقتصادي من اطلاعهم على الأفكار الاشتراكية والثورية. وباستثناء أبناء فلسطين فهم لم يعرفوا دولهم إلا مستقلة ومستقرة نسبياً. أما في المناطق الفلسطينية، فإن جيل الانتفاضتين (الأولى والثانية) من الأرجح أن يكون هو الجيل المؤسس.

 

     لكن المجموعة الرابعة هي التي تؤكد على أهمية قضايا الأجيال في العالم العربي. وذلك لأن الأجيال الثلاثة السابقة حتى إذا اجتمعت فإنها تشكل بالكاد ثلث تعداد العالم العربي بالكامل. فإن حوالي 60% من العرب تقل أعمارهم عن عشرين عاماً، و70% منهم تقريباً تقل أعمارهم عن ثلاثين عاماً.

 

    وهذا الأمر يثير تساؤلاً مهماً: ما الذي سيحدث لهذا الجيل الناشئ من الشباب إذا ما بقي أفراد الجيل الحالي المقدم على تولي مقاليد الحكم في السلطة كما حدث مع جيل مبارك والأسد والملك حسين؟

 

     يشكل الجيل السياسي المتمثل في بشار الأسد، والملك عبد الله، وجمال مبارك ـ ابن الرئيس المصري- صورة مختلفة عن صورة الزعامات الراحلة، التي تميز عدد كبير من أفرادها بخلفية عسكرية، وكان يعاونهم عدد من المهندسين والموظفين المدنيين.

 

    ويتميز الجانب الاجتماعي المهني للنخبة الجديدة بالاتساع. فمن الشائع أن نجد بينهم رجال الاقتصاد، ورجال البنوك، ورجال الأعمال، علاوة على خبراء التكنولوجيا والاتصالات. وهناك أيضاً رجال سياسة أكثر تقليدية: من الشخصيات البارزة الذين يرون أنهم يمثلون مصالح اجتماعية واقتصادية خاصة، وأنهم ليسوا كالتكنوقراط الذين لا تمثل السياسة بالنسبة لهم أهمية كبيرة.

 

     ويتميز أفراد النخبة الجديدة من الزعامات عن أسلافهم، في كثير من الجوانب، بالعالمية أو التحرر من قيود القوميات؛ كما يتمتعون في المتوسط بمستوى تعليمي أعلى؛ وقليل منهم حصلوا على درجات علمية من الخارج. كما تلعب النساء أيضاً دوراً أكبر إلى حد ما.

 

    مما لا شك فيه أن التطورات الجارية في المغرب، والبحرين، والأردن تشير إلى أن هذا التغيير في الحرس القديم قد يساهم في تليين البنية السياسية الصلبة والسماح بمزيد من المشاركة. لكن التغيير في الأجيال لا  يصاحبه بالضرورة إصلاح اقتصادي وخطوات نحو التحرر السياسي ـ ولنتأمل كوريا الشمالية تحت قيادة كيم جونج إيل ابن كيم إل سونج.

 

    والحقيقة أن الخبرة تقدم القليل من الأسباب التي تجعلنا نفترض أن اتباع أسلوب حديث في التعبير، والاستعداد لتحرير الاقتصاد، والمطالبة بالتطوير التكنولوجي قد تترجم إلى فرصة ملائمة لترسيخ الديمقراطية. وقد يكون الأقرب إلى الواقعية أن نتوقع أن تستغل النخبة العربية الجديدة مؤسسات السلطة القائمة في بلدانهم، للتغلب على أي مقاومة لأجنداتهم الاقتصادية، ولترسيخ سلطانهم الذي اكتسبوه حديثاً.

 

    وهذا المسار لا يمكن أن يخلو من المجازفات والعقبات. فدون زيادة ملموسة في فرص المشاركة السياسية، بما في ذلك إقامة انتخابات تنافسية حقيقية، فإن الفجوة بين الفئة الغالبة من السكان الشباب وبين النخبة الحاكمة ذات القاعدة الضيقة ستزداد اتساعاً. ومثل هذا الجمود السياسي المستمر يترك عدداً هائلاً من الشباب العرب فريسة لمغريات الإيديولوجيات المتطرفة، بينما يدفع أفضل الشباب وأكثرهم ذكاءً وتألقاً إلى البحث عن الحظ والنجاح في مكان آخر.

 

رئيس برنامج الشرق الأوسط وأفريقيا في مؤسسة العلوم والثقافة، والمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن، ومؤلف كتاب "نخبة العرب: مواكبة سياسات التغيير".

 

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

    

التعليق