موسم التوقعات المتضاربة الفلسطينية الإسرائيلية

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2004. 03:00 صباحاً

 


   تضارب التوقعات بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعود إلى فكرة غامضة ما زالت تتطور وهي: أن هناك فرصة بعد غياب عرفات. كلاهما تشكلت لديه قناعة أن الفرصة مواتية، وتعطيه ميزات لتحقيق ما لم يكن ممكناً في الماضي. وهذا بالضبط ما يفسر طبيعة التصريحات المتناقضة والمتضاربة.


    تصريحات العديد من الشخصيات الدولية عن الفرصة، وإن كان المقصود منها تعزيز قوى السلام، والضغط على المتشددين ( وبالذات معسكر اليمين الإسرائيلي) من أجل التوصل إلى تسويات ملائمة، إلا أن هذه التصريحات وظفت في إطار مضاد تماماً وهو رفع التوقعات. ففي الوقت الذي يمكن القول إن التصريحات المتفائلة، أو المفرطة بالتفاؤل، أرادت أن ترسل رسالة واضحة وهي القول بأن الفرصة مواتية، ويمكن لها أن تبرر دفع الثمن المطلوب لقاء الحصول على الأهداف. ولكنها في معرض الحديث عن المزايا سقطت الكلف والأثمان، وبدلاً من أن تهيئ أطراف الصراع لتقديم التنازلات، رفعت سقف التوقعات وهو الحصول على العوائد بكلفة أقل.


    ومزاد التوقعات الذي وجد في التصريحات حول فرص السلام مادة دسمة تغذيه وتديمه، لم يتركز فقط على سرعة التوصل إلى تسوية، ولا على توقعات ما بعد التسوية لتبرير الكلفة المطلوبة من أجل التسوية. بل تركز على حالة نفسية، يريدها اليمين لأسباب سياسية، ويريدها الناس لأسباب نفسية. اليمين يريدها لتعبئة الرأي العام بأهمية التمسك بالسياسة التي تقول بإمكانية الحصول على كل شيء. والرأي العام يتمسك بفرصة الحصول على كل المكاسب الممكنة، ما دام الحلم بها ممكناً. اليمين الإسرائيلي، ربما هو الطرف الأقوى في لعب هذه الورقة، فما زال يحاول، رفع التوقعات من التسوية، وان الفرصة تعني تحقيق المزيد من المكاسب. وتركز هجوم اليمين الإسرائيلي ليس على فرص التسوية، ولكن على الثمن المتعلق والممكن تحقيقه من خلال التسوية التي يريدها اليمين. وبالتالي بدلاً من أن تكون التصريحات بوجود الفرصة أداة أو محاولة للضغط على المتشددين، أصبحت وسيلة بيدهم، لإعادة تعبئة الرأي العام بسقوف عالية جداً من هذه التسوية. وهذا ما يمكن أن يرد للخصائص الملغزة للرأي العام. وهذا ما يمكن أن يشكل فرصة لفهم العلاقة الملتبسة بين الرأي العام، وبين السياسة. إذ يبدو أن تحريك صناع القرار والسياسيين من خلال الرأي العام، يحتاج إلى شروط غائبة أهمها، وجود طرف فاعل على الأرض يستطيع استثمار الوقائع والفرص.

وغياب مثل هذا الطرف يعني من جملة ما يعني ضياع المزيد من الفرص. فالرأي العام هو بالنتيجة مادة محايدة، يحتاج لتفعيله لطرف فاعل على الأرض، ولا يمكن تحريكه بشكل تلقائي من بعيد، ومن خلال الإشارات. وغياب معسكر سلام حقيقي وفاعل في الحياة السياسية الإسرائيلية، وعدم تهيئة الرأي العام لدفع استحقاقات السلام وكلفته، واختلاط أوراق الكلفة بأوراق المكاسب، كلها عوامل تؤكد على أن الرأي العام الإسرائيلي، وقوى السلام في إسرائيل عاجزة عن التفاعل مع التصريحات المتفائلة للعديد من قادة العالم.


   التصريحات المتتالية التي تلت رحيل عرفات، بأن حجة إسرائيل بغياب الـ (لا شريك) الفلسطيني، عكست الكثير من التفاؤل، ولدى بعض المراقبين، فإن مثل هذه التصريحات عكست سذاجة، وعدم فهم لخصائص الصراع. أو على الأقل عكست سذاجة واضحة في فهم طبيعة اليمين الإسرائيلي وخصائصه ونمط تفكيره. وهذه التصريحات بالتأكيد تعكس غياب كامل للتصورات العملية التي تتعاطى مع شروط ومتطلبات حل الصراع وتسويته، وأهمها على الإطلاق شرط تحريك الرأي العام الإسرائيلي وتحويله إلى رافعة تضغط على اليمين الإسرائيلي من أجل السلام. والأهم أن مثل هذه التصريحات عكست عدم دقة في فهم شعار اليمين الإسرائيلي بأنه لا يوجد شريك سلام فلسطيني وأن عرفات ليس ذي صلة.

فأهم ما تضمنه مثل هذا الشعار هو التركيز على الترتيبات كبديل عن التسوية النهائية. فما أراده اليمين الإسرائيلي من عرفات هو الدخول في سلسلة لا نهائية من الترتيبات التي ستسمى مؤقتة. ولكن كما قال نابليون لا شيء يدوم مثل الترتيبات المؤقتة. وترك القضايا النهائية معلقة على حسن التزام القيادة الفلسطينية بهذه الترتيبات، حتى تتغير الوقائع على الأرض، بشكل يكفي لجعل المطالب الفلسطينية غير عقلانية، وليست ذي صلة بالتسوية السياسية. 


عرفات رفض هذا الفخ، ولكن لا يوجد ما يؤكد أن ورثته قادرون على الرفض أيضاً. والتوقعات الإسرائيلية، مرتبطة أساساً بقابلية القيادة الجديدة بالموافقة على ما رفضه عرفات. وهذا ما يفسر تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلي سلفيان شالوم، بأنه أصيب بخيبة أمل من أقوال محمود عباس (أبو مازن). حيث أكد أبو مازن أنه يتمسك بإرث عرفات، وهذا بالنسبة لشالوم مخيباً للآمال لأن عرفات إرهابي. كذلك أكد أبو مازن تمسكه بحق العودة، ووصف شالوم هذا التصريح بأنه غير مقبول لأنه يخلق أوهاما.

 
   تصريحات شارون في هرتسليا، كانت إعادة توكيد للأوهام الإسرائيلية، وأن إسرائيل تتمسك بسلام مفصل على قياسها، واستند بذلك إلى وعد الرئيس الأمريكي جورج بوش له. ووجهت لاءاته باستنكار عربي واسع، واستهجان عالمي. ولكن تصريحات شارون، ورسائل شالوم لمحمود عباس بأن الإسرائيليين خاب أملهم، كلها مؤشرات خطرة على ما هو آت. وهو تمسك إسرائيل بأوهامها كحقيقة وتحويل المطالب الفلسطينية إلى أوهام.


   المخرج الوحيد لمواجهة الهجمة اليمينية الإسرائيلية هي: تمسك أبو مازن بما قاله في أكثر من مناسبة، بأنه يسعى لتحقيق وقف إطلاق النار من خلال تفاهمات فلسطينية داخلية، أو ما يمكن أن يسمى ترتيبات الفصائل لتعزيز الموقف الإقليمي والدولي للفلسطينيين، كبديل عن الترتيبات مع الإسرائيليين. حيث أكد أبو مازن على ذلك بالقول: "سنتكلم مع شعبنا، وأخوتنا لإقناعهم بعدم تنفيذ هجمات". وتمسك أبو مازن بهذا النهج سبب أيضاً خيبة أمل لسلفيان شالوم. إذ إن زوال عرفات، وكثرة ما تم الحديث عنه في إسرائيل، سبب غرق وزير خارجية إسرائيل في وهم أن القيادة الفلسطينية التي سترث عرفات ستجثو على ركبتيها طالبة الطاعة وتعليمات العمل من الإسرائيليين، أو ربما تقوم هي وحدها ودون تكليف الإسرائيليين بأي جهد أو كلفة من أي نوع، بتنفيذ ما تريده إسرائيل من خلال التخاطر. ولكن للحقيقة ما زال من المبكر أن نحكم هل إعلان سلفيان شالون كان رسالة يريد إيصالها، أم هي تعبير حقيقي عن مشاعره؟ الإجابة على هذا السؤال معلقة بتطورات الأشهر الستة التي ستلي الانتخابات. فهذه الأشهر كفيلة للتأكيد على أن ما يقال الآن من قبل القيادة الفلسطينية هو من أجل الانتخابات، أم هو حقيقي وسوف يساهم برسم خطوط الاصطفاف والمواجهة في المراحل القادمة؟

التعليق