الطريق الصعب للسلام: نتنياهو، اسرائيل، وعملية السلام في الشرق الأوسط

تم نشره في الثلاثاء 28 كانون الأول / ديسمبر 2004. 02:00 صباحاً

 


   صدر هذا الكتاب قبل عدة أعوام، اذ يؤرخ لعملية السلام في عهد رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو. والهدف من هذا الكتاب كما ورد على لسان مؤلفه أن الكتاب يحلل ويؤرخ لعملية السلام أثناء حكومة نتيياهو الليكودية ويحاول استنباط العبر والدروس من أجل تطبيقها على مناطق صراع أخرى مثل ايرلندا.

 وكاتب هذا الكتاب هو نيل لوكري، الذي حصل على الدكتوراة من جامعة درم في بريطانيا والمعروف بميوله للمواقف اليمينية من الصراع العربي الاسرائيلي. ويحاول نيل لوكري أن يزيح مسؤولية فشل عملية السلام في عهد نتنياهو ويلقي بها على عوامل اخرى سواء داخلية أو خارجية. ويقع في خمسة أجزاء واثني عشر فصلا.


   ويقدم الجزء الأول تفصيلا دقيقا عن خلفية نتنياهو الذي لم يكن معروفا في آرائة ومعتقداته(بالرغم من كتابيه التحريضين باللغة الانجليزية) للعالم الانجلو سكسوني مبينا مراحل صعودة التدريجي في حزب الليكود. ويجادل المؤلف، وأنا أتفق معه، بأن التغير في قانون الانتخابات الاسرائيلي لانتخابات عام 1996 كان المقصود منها منح رئيس الحكومة قوة أكثر واستقلالية في حزبه ولتقليص قدرة الاحزاب المتدينة الصغيرة التي احترفت عملية ممارسة الابتزاز السياسي. الا أن المفارقة ان تطبيق القانون أدى الى اضعاف الاحزاب الكبيرة وتقوية الاحزاب الصغيرة مما زاد من قدرتها على الابتزاز السياسي وأيضا فإن رئيس الحكومة لم يمتلك الاستقلالية عن حزبه التي كان يريدها. وقد واجه نتنياهو صعوبات بالغة سواء في حزبه أو في الائتلاف الأوسع نتيجة لذلك. فقد ظهر مجموعة الأمراء (ممثلي الليكود في الكنيست الذين ولدوا لآباء كانوا اعضاء في الكنيست) التي كانت تعتقد أن صعود نتنياهو المدوي كان على حسابهم. وقد انتقدت هذه المجموعة تحالف نتنياهو مع ديفيد ليفي ورافئيل ايتانو أصرت هذه المجموعة على أن اقامة تحالف ليكود، غيشر، تسومت كان المقصود منه ضمان فوز نتنياهو برئاسة الوزراء على حساب قوة حزب الليكود. وقد كلف ذلك الحزب كثيرا لان ثمن انضمام ليفي وايتان كان 14 مقعدا من أصل 32 مقعدا فازت بعدها قائمة ليكود-غيشر-تسومت.

 وقد حاول نتنياهو توظيف بعض التكتيكات لكسب ود هذه المجموعة الا ان جزءا منهم مثل روني ميلو ودان ميردور ووزير دفاعه اسحاق موردخاي قد غادروا الحزب وكونوا حزبا وسطيا آخر مما اضعف نتياهو وعجل برحيله. وقد سبقهم قبل ذلك ابن مناحيم بيغن الذي كون حزب حيروت. وقد بدا ضعف نتنياهو واضحا عندما وقع اتفاقية واي ريفر والتي أدت الى انهيار تحالفه وسقوطه من الحكم.


   ويبين هذا الجزء أن نتنياهو حاول السير في عملية السلام من موقع ضعيف داخليا. وانه أيضا تعامل مع الجانب الفلسطيني في الوقت الذي كان يتعرض فيه لضغوط ائتلافية كبيرة جدا. وهذا التشخيص وان كان دقيقا الا انه يغفل حقيقة أن نتنياهو هو الذي كان متحمس لذلك الأئتلاف مع سبعة احزاب من اصل ثمانية فيه عارضت عملية أوسلو. كما ان نتنياهو اعتمد على النصائح المقدمة من مجموعة من المتشددين ولم يول اهتماما كبيرا للمؤسسات الامنية الثلاث: الاستخبارات العسكرية المعروفة باسم أمان والموساد والشين بيت. واعتمد على مجموعة غير واعية بالبيئة الاستراتيجية ويكفي أن نشير هنا الى ان مدير مكتبه المؤثر انذاك ليبرمان رئيس حزب الاتحاد الوطني المتطرف والعنصري حاليا.


   ويركز الجزء الثاني بالتحديد على المسار الفلسطيني الاسرائيلي متفحصا كيفية تطور عملية الترتيبات الامنية بين الطرفين وان كل جانب حاول، الى حد ما، فرض رؤى احادية الجانب فيما يتعلق بالترتيبات الامنية مما ادى الى انهيارها في المحصلة النهائية. كما ويتناول هذا الجزء المحادثات التي تتعلق بالقدس واللاجئين وقد قدم المؤلف بعض التصورات لكيفية حل مشكلة اللاجئين وحق العودة ولم يحبذ أكثر من تعويض اللاجئين وتوطينهم في اماكن سكناهم الحالية. كما ويركز هذا الجزء على انخفاض عوائد السلام بالنسبة للفلسطينيين وارتفاعها بالنسبة للاسرائيليين اذ زادت الاستثمارات الاجنبية المباشرة الى ان وصلت في عام 1997 الى ثلاثة مليارات وستمائة مليون دولار.


   أما الجزء الثالث، فيتناول فيه المؤلف علاقة اسرائيل مع الدول العربية الأخرى والشرق الاوسط بشكل عام. وبخصوص العلاقة مع الأردن يعترف نيل لوكري بأنها اشكالية. الا انه يدعي بأن ذلك ليس بسبب نتنياهو، لان العلاقة مع الاردن تحمل في ثناياها الكثير من المشاكل بغض النظر من يحكم في اسرائيل.

 ومن دون شك فإن هذه المقولة هي افتراضية ولا يمكن لنا أن ننسى أن رابين كان يتمتع بثقة الاردنيين الى حد كبير مما سهل العلاقات الثنائية وكان رابين يفهم حساسية ومركزية القضية الفلسطينية في السياسة الاردنية. وقد أبدى نتنياهو عدم فهم لهذه المركزية الامر الذي جعله يرتكب سياسات حمقاء مثل محاولة اغتيال خالد مشعل ومحاولته لإعادة التفاوض بشأن المياه مما افقده صفة اللاعب او الشريك من وجهة نظر الاردن. ومن دون شك فإنه لو استمر رابين في الحكم لما وصلت اليه العلاقات الثنائية لهذا الانحدار الذي شهدته في أعقاب مجيء نتنياهو واتباعه سياسات طائشة وغير محسوبة.


   ويتفحص هذا الجزء ايضا تداعيات انسحاب محتمل لاسرائيل في المواضيع المائية والامنية والسياسية على الجبهة السورية. ويحلل الجزء الدينامية الداخلية لكل من سوريا واسرائيل من أجل تأمين سلام وامن. ويستند الجزء الى افتراضات غير دقيقة. فمثلا يقول لوكري ان الاسد لم يبد رغبة في اتمام صفقة سلام كما عرضها عليه رابين. وأن الاسد قام بذلك استنادا على تفكير واقعي وللحسابات الداخلية السورية. كما يؤرخ لمحاولة نتنياهو استئناف المحادثات مع سوريا.

 ولم يتطرق المؤلف أن اسرائيل تعاني من عدم القدرة على التعاطي مع انسحاب محتمل من الجولان. سوريا اعلنت استعدادها لاقامة سلام كامل شريطة انسحاب اسرائيل الى خطوط الرابع من حزيران. لا يختلف اثنان على انه ليس هناك في اسرائيل من يستطع عمل ذلك. ونتنياهو بالتحديد كان متحالفا مع حزب الطريق الثالث الذي يبرر وجوده بمعارضة اية انسحابات من الجولان المحتل تحديدا.


    ويتطرق هذا الجزء أيضا للمسار اللبناني. والمؤلف يتفهم ان اية امكانية سلام مع لبنان متعلقة بمقدار التقارب الاسرائيلي السوري وهذا الكلام صحيح الى درجة كبيرة. وهو يقول ان على اسرائيل اذا ما ارادت الخروج من لبنان ضمان معاهدة سلام مع سوريا وذلك لحل اشكالية حزب الله. ويتناول ايضا الخيارات المطروحة امام نتنياهو والتي تتراوح ما بين الانسحاب الاحادي الجانب الى الانسحاب التدريجي الى المحافظة على الوضع القائم. وطبعا في نهاية الامر لم يتعامل نتنياهو جديا مع المسار اللبناني لانه اخفق في فهم العلاقة المتينة بين المسارين السوري واللبناني. كما ويتناول نيل لوكري أثر التحالف الاسرائيلي التركي على موازين القوى الاقليمية.


   الجز ء الرابع يتناول أثر العوامل الخارجية على عملية السلام مسلطا الضوء على الولايات المتحدة الأمريكية. يبين ان دور الولايات المتحدة كان يقتصر على التوسط والمراسل والضامن لاتفاقيات السلام. كما ويحلل الضغط الذي مارسته الولايات المتحدة على كل من الجانب العربي واسرائيل من أجل ضمان استمرار عملية السلام. الا اننا نجهل في حقيقة الامر ان كان هناك ضغط امريكي حقيقي على اسرائيل، اذ كانت سياسة كلنتون هي ان تقوم الولايات المتحدة بدور المسهل لعقد الاتفاقيات وليس فرضها او ممارسة ضغوطات على طرفي النزاع. ويمكن القول ايضا ان الولايات المتحدة اخفقت في لعب دور اكثر حزما من أجل احداث تقدم في عملية السلام، الامر الذي شجع نتنياهو لاتباع سياسة خارجية متشددة دون المخاطرة على العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة.


   والجزء الاخير هو عبارة عن محاولة للاستفادة من الدروس والعبر من مفاوضات السلام في الشرق الاوسط. ويقول ان اتباع قنوات غير رسمية في المفاوضات كما حدث في اوسلو هو في غاية الفائدة للتغلب على العوائق وللتوصل الى اتفاقيات بين الاطراف المتنازعة. ويستخلص المؤلف الى ان هناك احد عشر مجالا يمكن استنباط الدروس منها وتطبيقها على صراعات أخرى في انحاء المعمورة.. وهذا يتعلق بالمواضيع التالية: اتفاقيات انتقالية مؤقتة، الجماعات الرافضة، شركاء السلام، الثقة، دور الاشخاص، دور العامل الخارجي، ضمان الاتفاقية عندما تتغير الحكومات، اسلوب عملية السلام، عوائد السلام واعادة الاعمار. ويقول إن هذه الدروس استوعبت وطبقت في النزاع في ايرلندا الامر الذي ادى الى التوصل الى اتفاق الجمعة الكبير.


   في المجمل يمكن القول إن هذا الكتاب وان احتوى على مضامين في غاية الأهمية الا انه ينحاز في الكثير من التفسيرات الى وجهة النظر اليمينة في اسرائيل. ومن الملفت أن الكاتب يحاول بأسلوب سلس اقناع القارئ أن نتنياهو لم يكن بالسوء الذي اعتقده الكثيرون وانه كان مكبلا بسياسة داخلية شديدة الا انه ومع ذلك يغفل عامل الايديولوجيا واثرها على تفكير نتنياهو خاصة في اجراء التعينات التي بالنهاية افضت الى وجود مجموعة في الحكم لها نفس التوجه الواحد في السياسة الخارجية مما خلق ما يسمى في العلاقات الدولية بعقلية الـ Groupthink.
Neill Lochery, The Difficult Road to Peace: Netanyahu, Israel, and the Middle East Peace Process (London: Ithaca Press, 1999), pp.344.

التعليق