جورج حبش: ست سنوات على الغياب

تم نشره في الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • القائد الفلسطيني الراحل جورج حبش.-( ارشيفية)

هيلدا حبش *

في الذكرى السادسة لرحيلك أيها الحكيم، جورج حبش؛ يا شريك العمر ورفيق الدرب النضالي الطويل والشاق، فإنك وإن غادرتنا جسداً، إلا أن روحك الطاهرة وذكراك العطرة، وما زرعته من قيم ومبادىء وأخلاق ثورية، ستبقى شعلة متوهجة تنير درب الأجيال أبد الدهر.
صراخ بلا جدوى
تحل هذه الذكرى الأليمة في زحمة الأحداث المفجعة التي يمر بها الوطن العربي، من محيطه إلى خليجه. أيام عصيبة تعيشها جماهيرنا العربية، لم تشهد لها مثيلاً من قبل. كيف يمكن للإنسان أن يصل إلى هذه الدرجة من الوحشية، ويحمل كل هذا الكم من الأحقاد والضغائن التي تجاوزت كل الخطوط والحدود، من دون رادع أخلاقي؛ فيتحول إلى وحش مفترس، يجرف كل ما يتحرك أمامه من بشر وحجر من دون تمييز؟! إنه انهيار لكل القيم والمثل التي نشأنا عليها، وترسخت في وجداننا، من محبة وألفة وإخاء وعيش مشترك بين البشر، بعيداً عن التطرف الديني والتفرقة العنصرية والطائفية والمذهبية البغيضة.
إن ما يجري في سورية والعراق ولبنان واليمن ومصر أم الدنيا، وفي ليبيا والسودان، يُدمي قلوبنا، ويُفقدنا معنى الحياة الحرة الكريمة. شعور بالمرارة والألم والحزن العميق، لفداحة الخسارة؛ إذ شعب يُباد بشبابه ورجاله ونسائه وأطفاله، وحتى شيوخه، أمام أعين العالم؛ ومدن تدمر، وملايين البشر تهجر، وأطفال بعمر الزهور تقتل بوحشية!
مرحلة عصيبة عنوانها الوحيد هو التخاذل؛ تخاذل المجتمع العربي والدولي، وضمنه نحن الشعب العربي. فقد تحولنا إلى كتل من البشر عاجزة عن فعل أي شيء؛ نشاهد المجازر والدماء والخراب، نتأثر، ثم نعيش حياتنا ونكمل المشوار بانتظار ما سيأتي بعد. إنه مخطط رهيب لتدمير الوطن وقتل المواطنة، وكل ما يمت إلى المشاعر الإنسانية بصلة! إنها جريمة العصر، والجريمة الكبرى صمتنا؛ صمت ثلاثمائة مليون عربي، لتبقى عذابات الناس صرخة في وادٍ، ولا حياة لمن تنادي.
افتقاد الحكمة والمواقف المبدئية
لقد شاء القدر أن يرحل ضمير الثورة قبل أن يشهد ما يجري في سورية؛ وطنه الثاني الذي عشقه وعشق الإقامة في ربوعه. رحل الحكيم القومي العربي الأصيل، حاملاً معه مأساة شعبه وهمومه، وذكريات النكبة التي عاشها بكل مرارتها وأعبائها الثقيلة. ربما شاء الله أن يجنبه المزيد من المعاناة، لأن قلبه الكبير لم يعد يتحمل المأسي والنكبات.
نفتقده اليوم، ونفتقد حكمته ومواقفه المبدئية في القضايا الجوهرية والمصيرية. ولو كان الحكيم على قيد الحياة، لوقف إلى جانب الحق؛ إلى جانب الشعب السوري ومطالبه المحقة في الديمقراطية والعدالة والمساواة والتعددية السياسية وحرية الرأي والتعبير. لو بقي الحكيم على قيد الحياة، لدافع عن شعبنا في مخيم اليرموك المحاصر، ولم يتخل عنه مهما كانت التضحيات.
إن شعبنا الفلسطيني لم يتدخل يوماً في الشؤون الداخلية لسورية، ولم يحمل السلاح إلا لمقاومة العدو الإسرائيلي. والشعب السوري احتضن شعبنا، ووفر له الأمن والأمان، وكان يتمتع بكامل حقوقه المدنية كأي مواطن سوري. لماذا زُج به في أتون الصراع الدموي المخيف؟ لماذا لم تعمل قيادات الفصائل على إجلاء المدنيين الأبرياء العزل من نساء وأطفال وشيوخ، وإجلاء المرضى، قبل فوات الأوان؟! إن حماية المدنيين هي مسؤولية تاريخية لكل من بقي عنده ذرة وفاء لشعبه ولقضيته، وإن ما يجري في "اليرموك" سيبقى وصمة عار على جبين كل من تواطأ على هذا الشعب. والتاريخ لن يرحم كل من شارك في حصار المخيم. وستبقى لعنة الأبرياء الذين يعانون الجوع والعطش والفقر والقهر والمرض، تلاحقهم أينما ذهبوا.
تغليب مصلحة الوطن     
إن ما يجري في سورية يتطلب من أطراف النزاع كافة أن يعلوا فوق الجراح، وتغليب مصلحة الوطن، حتى لو تطلب ذلك تقديم بعض التنازلات لمصلحة سورية الوطن.
أتمنى على الدول الكبرى التي ترعى مؤتمر "جنيف2" أن تنصف الشعب السوري، وتحقق الاستقرار السياسي والأمني. وليكن هذا المؤتمر نقطة الانطلاق نحو المسيرة الديمقراطية، وإعادة الإعمار والازدهار لهذا الشعب العظيم، وعودة المهجرين، ولتعود سورية إلى دورها الطليعي في الدفاع عن الأخطار التي تهددها وتهدد الوطن العربي كله، وأولها خطر الكيان الصهيوني الذي يهددنا جميعاً. ولا بد من وضع حد لكل من استباح الأراضي السورية، وطرد جميع المسلحين الغرباء الذين تلطخت أياديهم بدم الشعب السوري، والعمل على وحدته ووحدة أراضيه.
وفي خضم هذه الأحداث المؤسفة، نجد وزير الخارجية الأميركي جون كيري، يكثف نشاطاته، ويقوم بالعديد من الجولات المكوكية لدعم المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وبين القيادة الإسرائيلية. ويجد كيري آذاناً صاغية، وتجاوباً منقطع النظير من قبل القيادة الفلسطينية، من دون قيد ولا شرط، ضاربة عرض الحائط بآراء الشعب الفلسطيني الذي يعبر عن رفضه القاطع للمفاوضات التي تجري سراً وعلناً، في ظل تمدد استيطاني يخلق واقعاً جديداً على الأرض، من خلال بناء آلاف الوحدات الاستيطانية لوضع المفاوض الفلسطيني في حالة من العجز والإرباك أمام الشعب الذي طالما تمسك بالثوابت الوطنية، وعلى رأسها حق العودة، الذي هو حق غير قابل للتصرف، تكفله لنا جميع الشرائع والأعراف الدولية.
تنازلات مجانية
لقد ربط الحكيم عودته إلى فلسطين بعودة خمسة ملايين لاجئ فلسطيني إلى فلسطين التاريخية، وحق تقرير المصير، وإزالة المستوطنات، وإقامة الدولة ذات السيادة وعاصمتها القدس؛ هذه الأهداف الوطنية التي دفع شعبنا ثمنها عشرات آلاف الشهداء، وآلاف المعتقلين، وملايين المشردين في المنافي والشتات، ليجد بعد ذلك أهدافه وأحلامه وآماله في مهب الريح؛ تتبدد أمام التنازلات المجانية التي تفرضها الإدارة الأميركية على المفاوض الفلسطيني في أروقة المفاوضات السرية. وكلها تصب في مصلحة العدو، وتحقيق الأمن والأمان للمحتل الصهيوني على حساب الثوابت الوطنية. فالاتفاقيات التي تعمل أسرائيل على فرضها، تنص على السيطرة العسكرية على غور الأردن؛ الحدود الفاصلة بين الأردن وفلسطين، وبما يشكل ثلث مساحة الضفة الغربية، إلى جانب الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبيرة في القدس والضفة الغربية، مع أكثر من خمسمائة مستوطن. كما تتحدث هذه المفاوضات عن تبادل أراض، والاحتفاظ بالسيطرة الأمنية الكاملة على الحدود والمعابر، وشطب حق العودة لملايين الفلسطنيين. وأيضا، تطالب إسرائيل القيادة الفلسطينة بالاعتراف بيهودية الدولة، وهو ما يعني ضمناً التنازل عن حقنا التاريخي في فلسطين، ويهدد شعبنا في مناطق 48 بالتهجير "الترانسفير". وكل ذلك مقابل دويلة أو كيان هزيل مجزأ ومنزوع السلاح والسيادة على أقل من 12 % من مساحة الضفة الغربية، تحيط به الكتل الاستيطانية من كل جانب. أما القدس، فستبقى بمفهوم الصهاينة عاصمة أبدية لإسرائيل. فهم لم يتركوا للمفاوض الفلسطيني أي شيء للتفاوض عليه، سوى المطالبة بإقامة مطار، وإنشاء بعض الفنادق والمنتجعات السياحية للراحة والاستجمام، بعد الانتهاء من عناء المفاوضات المضنية.
يكفي أن نعرف أنه منذ بدء المفاوضات الأخيرة وحتى الآن، قدم شعبنا عددا كبيرا من الشهداء، ومئات الجرحى. ومع كل دفعة من الأسرى المحررين القدامى، تقوم إسرائيل بالإعلان عن إنشاء 1500 إلى 3000 وحدة سكنية جديدة. وماذا عن الشهداء الأحياء الذين يقبعون خلف القضبان، وعددهم يقارب ثمانية آلاف معتقل؛ ما هو مصيرهم؟
عشرون عاماً مرت على توقيع اتفاقية أوسلو التي لم تحقق الحد الأدنى من طموحات شعبنا في الحرية والاستقلال الوطني، وإقامة الدولة ذات السيادة. بل الثمن كان مزيداً من مصادرة الأراضي، وملاحقة المناضلين واعتقالهم أو قتلهم على الحواجز وفي بيوتهم، أمام أطفالهم وأمهاتهم وزوجاتهم، وعلى مرأى ومسمع من وقعوا الاتفاقيات الأمنية مع العدو لقمع كل من يحاول القيام بأي عمل نضالي لمقاومة المحتل المتربص فوق أرضنا. هذا إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي انعكست على حياة المواطنين.
الآن، بعد مضي عشرين عاماً من الفشل الذريع لاتفاقية أوسلو، تعلن السلطة الفلسطينية أنها ملتزمة بالمدة المحددة لها للمفاوضات الحالية، وهي تسعة أشهر، لحل كل القضايا النهائية الشائكة. إنه بازار التسويات المجانية في موسم التنزيلات! باختصار، إنه مشروع بغيض لتصفية القضية الفلسطينية في ظل صمت عربي وعالمي رهيب. لماذا يغيب شعبنا عن القرارات المصيرية التي تمس مصالحه في الصميم؟ من حقه أن يقول كلمته من خلال استفتاء شعبي حر ونزيه. ونطالب بوقف المفاوضات التي تجري حالياً في ظل الأوضاع العربية المزرية، وفي ظل اختلال موازين القوى الدولية غير المتكافئة.
في الختام، أهنىء الشعب المصري العظيم في الذكرى الثالثة لثورة 25 يناير (2011) وثورة 30 يونيو (2013)؛ هذا الشعب الذي يصنع المستحيل دفاعاً عن ثورته وحمايتها، وعن حقه في الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة والعيش المشترك. وهنيئاً لهم اختيارهم الحر في الاستفتاء على الدستور الجديد الذي سيحقق لهم العزة والازدهار والتقدم والنجاح. كما أحيي شعبنا العربي في تونس، وأتمنى له المزيد من الاستقرار الأمني والسياسي، لتبقى تونس دائماً خضراء بشعبها وبعزتها ومكانتها.
حمى الله الوطن العربي بأقطاره وشعوبه كافة من قوى الشر التي لا تريد لهذا الوطن أن يزدهر ويتقدم، وتعمل على تجزئته وتفتيته كي يبقى في غياهب التاريخ.
تحية محبة ووفاء الى حكيمنا الغالي، وستبقى ذكراه حية في ضمائرنا. والمجد والخلود لكل الشهداء الأبرار.
*عقيلة الدكتور جورج حبش

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القائد الفلسطيني الراحل جورج حبش (AA)

    الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014.
    تحية محبة ووفاء الى حكيمنا الغالي، وستبقى ذكراه حية في ضمائرنا. والمجد والخلود لكل الشهداء الأبرار. تحيا فلسطين!
  • »مخيم البقعة (الحج ابوكامل)

    الاثنين 27 كانون الثاني / يناير 2014.
    الى رحمة الله ايها المناضل الشريف