التحديات الحقيقية في مواجهة النمو

تم نشره في الأحد 26 كانون الثاني / يناير 2014. 02:00 صباحاً
  • التحديات الحقيقية في مواجهة النمو

مايكل سبنس*
ميلانو ـ كانت تجربة الاقتصادات المتقدمة منذ الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008 سبباً في تحفيز مناقشة سريعة التطور تدور حول النمو وتشغيل العمالة والتفاوت بين الناس في الدخل. ولا ينبغي لهذا أن يدهشنا: فبالنسبة لأولئك الذين توقعوا التعافي السريع نسبياً بعد الأزمة، كلما ظلت الأمور على حالها لفترة أطول كلما كان قدر التغيير الطارئ عليها أعظم.
بعد فترة وجيزة من اقتراب النظام المالي من الانهيار الكامل، تلاشت وجهة النظر المجمع عليها لصالح التعافي الدوري الطبيعي مع تكشف واتضاح مدى الضرر الذي لحق بالميزانيات العمومية ــ وتأثير تقليص الديون على الطلب المحلي. ولكن حتى بعد أن أصبح تقليص المديونيات الآن جارياً على قدم وساق، فإن التأثير الإيجابي على النمو وتشغيل العمالة كان محبطا. ففي الولايات المتحدة يظل نمو الناتج المحلي الإجمالي أدنى كثيراً من المستوى الذي كان يُنظَر إليه حتى وقت قريب باعتباره المعدل المحتمل، ولا يزال النمو في أوروبا متواضعاً للغاية.
ويظل تشغيل العمالة متدنياً ومتخلفاً عن نمو الناتج المحلي الإجمالي، وهو النمط الذي بدأ قبل ثلاث فترات من الركود على الأقل والذي أصبح أكثر وضوحاً مع كل فترة انتعاش. ففي أغلب الاقتصادات المتقدمة تولد عن القطاع القابل للتداول نمواً محدوداً للغاية في فرص العمل ــ وهي المشكلة التي كان الطلب المحلي حتى عام 2008 كافياً «لحلها» من خلال توظيف عدد كبير من الناس في القطاع غير القابل للتداول (الحكومة والرعاية الصحية والبناء والتجزئة).
ومن ناحية أخرى فإن الاتجاهات السلبية في توزيع الدخل كانت سابقة للأزمة واستمرت بعد نهايتها. ففي الولايات المتحدة اتسعت الفجوة بين نصيب الفرد في الدخل والدخل المتوسط إلى أكثر من 20 ألف دولار. وقد تركزت أغلب مكاسب الدخل الناجمة عن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع العلوي من توزيع الدخل. وقبل اندلاع الأزمة، كان تأثير الثروة الناتج عن ارتفاع أسعار الأصول سبباً في تخفيف الضغوط النزولية على الاستهلاك، تماماً كما أنتجت أسعار الفائدة المنخفضة والتيسير الكمي منذ عام 2008 مكاسب كبيرة في أسعار الأصول، والتي قد لا تدوم طويلاً نظراً لضعف الأداء الاقتصادي.
إن التركيز المتزايد للثروة، جنباً إلى جنب مع نوعية التعليم الشديدة التفاوت، يساهم في انحدار الحراك الاقتصادي بين الأجيال، ويهدد بالتالي التماسك الاجتماعي والسياسي. وبرغم صعوبة إثبات العلاقة السببية، فهناك علاقة ارتباط تاريخية بين التفاوت والاستقطاب السياسي، وهذا من الأسباب التي تفسر لماذا اعتمدت استراتيجيات النمو الناجحة في البلدان النامية بشدة على الشمولية.
وتُعَد التكنولوجيا الموفرة للعمالة وأنماط تشغيل العمالة المتحولة في القطاع القابل للتداول من الاقتصاد العالمي من المحركات المهمة للتفاوت وعدم المساواة. فالآن بدأت الوظائف الإدارية والعمالية الروتينية تختفي، في حين تنتقل الوظائف ذات القيمة المضافة الأدنى في القطاع القابل للتداول إلى مجموعة متنامية من الاقتصادات النامية. وكانت هذه القوى العاتية المزدوجة سبباً في إفساد التوازن الطويل الأمد في أسواق العمل في الاقتصادات المتقدمة، مع استثمار قدر كبير للغاية من التعليم والمهارات في أنماط نمو عفا عليها الزمن.
كل هذا يسبب الضيق والذعر والارتباك. ولكن الركود في البلدان المتقدمة ليس حتميا ــ وإن كان تجنبه يتطلب التغلب على مجموعة من التحديات الصعبة.
فأولا، كانت التوقعات متناقضة مع الواقع. ومن الواضح أن تجلي التأثير الكامل لعمليات تقليص المديونية وإعادة التوازن البنيوي واستعادة النقص في الأصول الملموسة وغير الملموسة عن طريق الاستثمار يستغرق بعض الوقت. ومن ناحية أخرى فإن أولئك الذين يتحملون وطأة تكاليف التحول ــ العاطلين عن العمل والشباب ــ يحتاجون إلى الدعم، ولابد أن يتحمل أولئك منا الذين هم أكثر حظاً وثروة أن يتحملوا تكاليف هذا الدعم. وإلا فإن النية المعلنة بشأن استعادة أنماط النمو الشامل سوف تفتقر إلى المصداقية، وهو ما من شأنه أن يقوض القدرة على اتخاذ خيارات صعبة ولكنها مهمة.
ثانيا، يتطلب تحقيق النمو المحتمل الكامل عكس مسار ذلك النمط الواسع الانتشار من نقص الاستثمار في القطاع العام. ويشكل التحول من النمو القائم على الاستهلاك إلى النمو القائم على الاستثمار أهمية بالغة، ولابد أن يبدأ هذا التحول بالقطاع العام.
وتتلخص أفضل وسيلة لاستخدام القدرة المالية المتبقية لدى البلدان المتقدمة في استعادة الاستثمارات العامة في سياق من خطة متعددة السنوات وذات مصداقية لتثبيت الاستقرار. وهذا المسار أفضل كثيراً من ذلك الذي يعتمد على الاستدانة، وانخفاض أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار الأصول في تحفيز الطلب المحلي بما يتجاوز مستوى تعافيه الطبيعي. ولم تُخلق كافة أنماط الطلب متساوية. ويتعين علينا أن نرفع مستوى الطلب وأن نحقق التركيبة الصحيحة منه.
ثالثا، في الاقتصادات المرنة كتلك في الولايات المتحدة، يجري الآن بالفعل تحول بنيوي مهم نحو الطلب الخارجي. وتنمو الصادرات بسرعة (تفوق سرعة نمو الواردات)، نظراً لانخفاض تكاليف الطاقة والتكنولوجيات الجديدة التي تحبذ إعادة التوطين، وانحدار سعر الصرف الفعّال الحقيقي (الانخفاض الاسمي لقيمة الدولار جنباً إلى جنب مع نمو الأجور والدخول المحلية المستتر وارتفاع مستويات التضخم لدى الشركاء التجاريين في البلدان النامية). وفي نهاية المطاف، سوف تعوض هذه التحولات البنيوية عن المستوى الأدنى (والأكثر استدامة) من الاستهلاك نسبة إلى الدخل، ما لم تتسبب الزيادات غير الملائمة في الطلب المحلي في إفساد هذه العملية.
رابعا، يتعين على الاقتصادات ذات الهياكل الجامدة أن تتخذ الخطوات اللازمة لإزالتها. كما ينبغي لكل الاقتصادات أن تكون قادرة على التكيف مع التغير البنيوي من أجل دعم النمو، وتصبح المرونة أكثر أهمية في تبديل أنماط النمو المعيبة، لأنها تؤثر على سرعة التعافي.
وأخيرا، الزعامة مطلوبة لبناء الإجماع حول نموذج النمو الجديد ومبدأ تقاسم الأعباء الضروري لتنفيذ هذا النموذج بنجاح. إن العديد من البلدان النامية تنفق قدراً كبيراً من الوقت في إيجاد توازن مستقر بلا نمو، ثم تتحول إلى توازن أكثر إيجابية. ولا يوجد شيء تلقائي في هذا. ففي كل الحالات التي أستطيع أن أقول إنني على دراية بها كانت الزعامة الفعّالة محفزاً قويا.
لذا فبرغم أننا من الممكن أن نتوقع عملية متعددة السنوات من إعادة التوازن وسد الفجوة بين النمو الفعلي والنمو المحتمل، فإن الوقت الذي قد تستغرقه هذه العملية على وجه التحديد يعتمد على اختيار السياسات وسرعة التكيف البنيوي. ففي جنوب أوروبا على سبيل المثال، سوف تستغرق العملية فترة أطول لأن هناك مكونات أخرى مفقودة في هذه البلدان. ولكن التأخر في تحديد التحديات والتصدي لها يبدو طويلاً إلى حد كبير في كل مكان تقريبا.
لا شك أن العوامل التكنولوجية والديموغرافية التي تشكل للنمو المحتمل تنحسر وتزداد على مدى أطر زمنية أطول (عدة عقود من الزمان)؛ وبصرف النظر عن ما إذا كانت الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتقدمة قد دخلت فترة ممتدة في الأمد البعيد من الانحدار المادي، فلا توجد وسيلة للتأثير على هذه العوامل حقا.
ولكن القضية المباشرة التي تواجه العديد من الاقتصادات مختلفة: استعادة نمط النمو المرن الشامل الكفيل بتحقيق كل ما يسمح به الاتجاه في النمو المحتمل.


*حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.
خاص بـ"الغد" بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق