تجويع اللاجئين: لماذا التنصل من المسؤولية عن الفلسطينيين في سورية؟

تم نشره في الأحد 19 كانون الثاني / يناير 2014. 03:00 صباحاً
  • ناشط يحتج على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين السيئة في مخيم اليرموك في دمشق - (أرشيفية)

رمزي بارود* - (ميدل إيست أونلاين)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
ثمة سيناريو ينطوي على أسوأ الاحتمالات يتكشف الآن في سورية، حيث يدفع اللاجئون الفلسطينيون، خاصة في مخيم اليرموك للاجئين، ثمناً باهظاً لأكثر الحروب وحشية في تاريخ سورية. إنهم يتضورون جوعاً، مع أنه لا يمكن أن يكون هناك أي تبرير، ولا أي سبب لوجستي لجعلهم يموتون من الجوع.
في حديث له مع وكالة فرانس برس، صرح كريس جونيس، المتحدث باسم وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونوروا)، بأن "خمسة على الأقل من اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك المحاصر لقوا حتفهم بسبب سوء التغذية، وبذلك يرتفع إجمالي عدد الوفيات المبلغ عنها إلى 15" منذ أيلول (سبتمبر) 2013. لكن تقديرات أخرى، وخاصة تلك التي يذكرها السكان المحليون، تقول رقماً أعلى بكثير.
كان المخيم الذي يقع إلى الجنوب من دمشق، يضم ما يقرب من 250.000 فلسطيني ذات مرة، والذين يشملون 150.000 لاجئ مسجل رسمياً. وبعد ثلاث سنوات من الحرب الوحشية بعد ذلك، أصبح مخيم اليرموك الآن مجرد أنقاض، ويؤوي نحو 18.000 فقط من السكان الذين لم يتمكنوا من الفرار إلى لبنان والأردن أو أي مكان آخر.
في تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية من دمشق، نقلت ليز دوسيه عن مسؤولي إغاثة: "قال مسؤولو إغاثة في دمشق لي في الآونة الأخيرة "إن أبواب مخيم اليرموك أغلقت في تموز (يوليو)، ولم يسمح لأي مساعدات تقريبا بالدخول إليه منذ ذلك الحين".
كانت مجموعة فلسطينية ثانوية صغيرة، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/ القيادة العامة، قد حاولت السيطرة على مخيم اليرموك نيابة عن الحكومة السورية، وهو عمل رفضه اللاجئون. كان هناك إجماع شبه بين فلسطينيي المخيم على أنهم لا ينبغي أن يتورطوا في الحرب في سورية. ومع ذلك، فإن الأطراف المتحاربة -الحكومة السورية والجيش السوري الحر الثائر والجماعات الإسلامية الأخرى- حاولت بكل طاقتها استخدام كل بطاقة تحت تصرفها من أجل إضعاف الأطراف الأخرى. وكانت النتيجة مدمرة، وعلى حساب اللاجئين الأبرياء.
بالإضافة إلى 1.500 فلسطيني الذين قتلوا وآلاف من الجرحى، أصبحت الغالبية العظمى من اللاجئين الفلسطينيين مجبرة على الهروب مرة أخرى، ولو أن هذا يجري الآن في ظروف أكثر خطورة. ووفقاً لبيان صدر عن الأونروا في 17 تشرين الثاني (نوفمبر)، فإنه "من بين 540.000 لاجئ فلسطيني مسجلين لدى الأونروا في سورية، أصبح نحو 270.000 مشردين في داخل البلد، وفر ما يقدر بنحو 80.000 إلى الخارج، وصل منهم نحو 51.000 إلى لبنان، فيما ذهب 11.000 إلى الأردن. وهناك نحو 5.000 موجودون في مصر، كما وصلت أعداد أصغر إلى غزة، وتركيا وأماكن أبعد".
لم تكن الدول العربية الأخرى أكثر رفقاً بهؤلاء اللاجئين من سورية، حيث تقول تقارير وكالة الأمم المتحدة "إن أولئك الذين وصلوا إلى لبنان والأردن ومصر يواجهون مأزقاً قانونياً محفوفاً بالمخاطر، مصحوباً بظروف معيشية صعبة بحيث يقرر الكثيرون منهم العودة لمواجهة الأخطار داخل سورية".
يقع مخيم اليرموك في القلب من هذه المأساة. وكان مخيم اللاجئين هذا قد أنشئ في العام 1957 لإيواء الآلاف من اللاجئين الذين طردوا من فلسطين على يد العصابات الصهيونية في 1947-1948. ورغم حقيقة أنه يقع في سورية، بقي مخيم اليرموك قريباً من نبض المأساة الفلسطينية، ومات المئات من رجاله في القتال ضد الغزو الإسرائيلي للبنان في العام 1982. ورغم أن الفلسطينيين في سورية كانوا يتلقون معاملة جيدة بشكل عام، إذا ما قورنت معاملتهم هناك بظروفهم بالغة السوء في بلدان عربية أخرى، وجد الآلاف من رجالهم أنفسهم ضحايا لعمليات التطهير السياسي العشوائية التي مارستها الحكومة السورية. وقد أعقب مثال على ذلك تداعيات العام 1983 بين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد والزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
لكن الكارثة الأحدث هي الأسوأ التي تضرب مخيم اللاجئين في سورية. في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2012، حاول المتمردون من الجيش السوري الحر السيطرة على المخيم. وتلا ذلك قتال شرس، أعقبه قصف جوي شنته طائرات الحكومة على مخيم اليرموك يوم 16 من ذلك الشهر. وبحسب ما ورد، قتل العشرات من سكان المخيم، وهرب الآلاف خوفاً على حياتهم.
ورغم علامات الخطر الواضحة المحيطة بالوجود الفلسطيني في سورية، كان في ذلك الوقت فقط حين حاولت القيادة الفلسطينية التفاوض على وضع خاص لليرموك، بحيث يتم إبقاء الفلسطينيين الذين بلا جنسية بعيداً عن صراع لم يكن من صنعهم. وقد استخدمت قوى إقليمية أخرى بعض الفصائل الفلسطينية لإعلان مواقف سياسية بشأن النزاع في سورية. وما كان ينبغي استخدام اللاجئين أبداً كعلف لحرب قذرة، فشلت فيها كل المحاولات لتجنيب اللاجئين تداعيات الكارثة.
كان الفشل بهذا الشأن شاملاً وفي جميع المجالات. وكالعادة، كان ما يسمى بالمجتمع الدولي في طليعة هذا الفصل المخجل. وحسب ما ذكرت الصحفية دوسية نقلاً عن مسؤول إغاثة: "هناك إحباط عميق في مجتمع الإغاثة من أن العالم الذي تكاتف معاً من أجل التعامل مع ترسانة الأسلحة الكيميائية السورية لم يتمكن من فعل الشيء نفسه عندما تعلق الأمر بالتعامل مع الأزمة الإنسانية المتفاقمة. إنني لم أر أبداً أزمة إنسانية بهذا الحجم، ولم يصدر بشأنها قرار من مجلس الأمن".
يمكن أن يقال الشيء نفسه عن السلطة الفلسطينية في رام الله، التي تطارد سراباً آخر لـ"عملية السلام" المحكومة بقدر الفشل الحتمي. لماذا لم يعلق رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس كل ما لديه من محادثات ومواعيد تافهة، ويشتغل بالضغط على المجتمع الدولي لإنقاذ مخيم اليرموك؟
العار لا ينتهي هنا، لأن البعض في حركة التضامن مع فلسطين توقفوا عن التفكير في حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة كقضية تقع في القلب من النضال الفلسطيني من أجل الحرية. إنهم يقومون بالتعبئة فقط حول القضايا نفسها التي تقع ضمن المعايير الإقليمية والسياسية التي تفرضها اتفاقات أوسلو. ووفقاً لهذا المنطق، فإن الفلسطينيين في سورية ولبنان والعراق، وهلم جرا، لا يكادون يشكلون أولوية قصوى للعمل والتعبئة، حتى لو كانوا يقتلون بالمئات أو يجري تجويعهم حتى الموت.
من خلال إيلاء اهتمام أكبر باللاجئين الفلسطينيين في سورية، لا يدعو المرء إلى تجاهل الواقع الرهيب الذي يعانيه الشعب السوري بلا توقف. لكن اللاجئين الفلسطينيين ليس لديهم وضع قانوني، ولا تمثيل سياسيا، ولا أي دعم دولي جاد، ولا قيادة معنية حقاً بمحنتهم، ولا مكان يذهبون إليه ولا واحداً يعودون إليه. إنهم لا يملكون أي شيء، وهم الآن يتضورون جوعاً.
ليس هناك أي أساس منطقي يمكن أن يفسر السبب في إصرار الحكومة السورية والثوار السوريين على توريط الفلسطينيين في حربهم التي تتحول إلى مجموعة متنوعة من جرائم الحرب، والتي ترفض أن تنتهي.
يجب على المجتمع الدولي وجماعات التضامن مع فلسطين في كل مكان وضع اللاجئين الفلسطينيين على رأس جداول أعمالهم. لا ينبغي أن يكون الغذاء أبداً سلاحاً يستخدم في هذه الحرب القذرة، ولا ينبغي أن يتضور الفلسطينيون جوعاً حتى الموت، بغض النظر عن الدافع أو المنطق وراء ذلك.

*هو كاتب عمود دولي، ومستشار إعلامي ومحرر موقع الحكاية الفلسطينية PalestineChronicle.com. أحدث مؤلفاته كتاب "أبي كان مناضلاً من أجل الحرية: قصة غزة التي لم ترو"، (مطبعة بلوتو، لندن).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Starving Refugees: How We Disowned Palestinians in Syria

ala.zeineh@alghad.jo

alaeddin1963@

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »فقدنا البوصلة (هاني سعيد)

    الأحد 19 كانون الثاني / يناير 2014.
    فقدنا نحن العرب البوصلة الذي تقودنا الى الصواب لأنه لا يوجد تنسيق بيننا لا على المستوى العربي ولا على المستوى الاقليمي والمحلي الامور تسير بطريقة هزلية لا اول لها لها ولا آخر ولا نعرف الترتيب ولا نعرف اننا يجب ان نعرف واجبنا الدنيا عندنا فوضى والذي يحز في النفس ان دولا اخرى اقل مرتبة تستطيع ان ترتب امورها وقضاياها بطريقة علمية ومنظمة وتصل الى اهدافها اما نحن الفوضى عنواننا والفشل شعارنا والاحباط قدرنا